wrapper

اللقاءُ المُنتظرُ بِفَرَحٍ أمْ خَوْف؟!

إعداد الخوري جان مورا
   في الأحدِ الثاني مِنْ زَمنِ ارْتفاعِ الصليبِ المقدَّس، نُباشِرُ بِإستِعْراضِ النُّصوصِ التي تدعونا فيها الكنيسةُ لِنَفهَمَ كلامَ الكِتابِ المُقدَّسِ حولَ النِهاياتِ، كَدَعوةٍ إلى التَّمَسُّكِ بِعَيشِ فَضيلةِ الرَّجاءِ  وَليسَ إلى اليَأْسِ وَكَتَحفِيزٍ لنا لِعَيشِ حَياةٍ مَسيحيَّةٍ أَعْمَق تُهَيِّئنا بِفَرَحٍ، لا بخوفٍ، للِّقاءِ المنتَظَر.
لقدْ جَعلَ اللهُ الكنيسَةَ في كُلِّ أبْنائِها، عَروسَةً لإبْنِهِ، وذاتَ يَومٍ سَيَأتي لِيَأخُذُها إليْه. ليسَ كَطِفلٍ ضَعيفٍ في مِذودٍ فَقيرٍ سَيَأتيها، بلْ بِالمَجد، فَتنْحَنِي لَهُ كُلُّ رُكبَةٍ في السّماءِ وعَلَى الأرْض.
     لقدْ تركَ لها كُلَّ الوَقتِ كَيْ تَتهَيَّأ على مَدَى السِنينَ وَمعَ كُلِّ الأجْيال، لِدُخولِ ردْهَةِ العُرْسِ بِالتَسبيحِ وَالتَّرنيم. فَهَلْ سَتَفرَحُ لهذا الحَدَثِ فَرحَ العَروسِ في اقْتِرابِ يَومَ زَفافِها؟ في مَنْطِقِنا البَشَريّ، كُلُّ انْتِظارٍ أيًّا كانَ نَوْعُهُ: إنتظارُ وِلادةِ طِفلٍ، لَحظةُ الزَفاف، عَودَةُ حَبيبٍ مُغترِب...، تَسبِقُهُ تَحضِيراتٌ جَمَّةٌ يُرافِقُها فَرحٌ كَبيرٌ يَشوبُهُ قَلَقٌ جَميلٌ حَتَى يأتي المَوعِدُ وَيتمُّ اللِّقاءُ المُنتَظَر:
- هلْ نَحنُ نَتَهيَّأ مُنْتَظرينَ مَجيئَهُ الثاني؟ - هل لنا هذا الفَرحُ، فَرَحُ لِقاءِ العَريسِ يَسوعَ وَجْهًا لِوَجْهٍ في هذا المَجِيء، أمْ أنَّهُ يُدخِلُ الخَوفَ إلى نُفُوسِنا؟ أوْ رُبَّما كُنَّا مِنَ اللامُبالِين!؟
     ما منْ أحَدٍ يخافُ مُواجهَةَ شَخصٍ ما إلاّ إنْ كانَ قد آذاهُ في حياتِه: شَوَّهَ صورَتَهُ أمامَ الآخَرين أو افَتَرَى عليهِ أوْ سَلبَهُ حَقَّهُ أو إسْتغَلَّ طِيبتَهُ أو....، فهلْ نَحنُ مِنْ أولئكَ الأشْخاص كَيْ نَخافَ المَجئَ الثاني وَمُواجهَةَ ذاتِنا أمامَ يسوعَ بِما فَعِلنا؟ أمْ نَحنُ على علاقَةٍ طَيِّبَةٍ مَعَه، فَحتَّى وَلَوْ أخْطَأنا، نَحرِصُ على حُبِّنا لَهُ بِتَوبتِنا الصَّادِقة، بِقلْبٍ يُحِبُّ بِحَقّ وَيَلبَسُ التَواضُعَ دونَ خَوفٍ مِنْ دَينُونَة؟ أمَّا إنْ كُنَّا لامُبالِينَ، فهذا أكثَرُ المَواقِفِ خَطرًا على حَياتِنا، فَبِطريقةٍ مُبَطَّنَةٍ نكونُ ناكِرينَ لِحُضورِ اللهِ في حَياتِنا، وَنُنْكِرُ اللِّقاءَ مَعَهُ وَجْهًا لِوَجْه. بِاخْتِصارٍ نَكونُ كَأيِّ مَخلُوقٍ في العالمِ يَعيشُ لِيَأكلَ وَيَشرَبَ وَيَستَمْتِعَ بِالمَلَذَّاتِ المُبْتَغاةِ وَيَنام، ثُمَّ يَموتُ وَيَنتَهي في حُفْنَةٍ مِنْ تُرابٍ لا قِيمَةَ لَها ولا مَعْنَى.
مِنْ هُنا يَنبَعُ الضَلالُ وَالبُغْضُ وَالأنانِيَّةُ والحَسَدُ... مِنْ هُنا تَنْبَعُ الآلِهَةُ المُتَعدِّدَةُ: عِبادَةُ السّلطَةِ وَالسَيطَرَة، عِبادَةُ المال، عِبادَةُ الجَسَدِ بِالمَلذَّاتِ فَاسْتِباحَةُ القَتلِ وَالإغْتِصابِ وَالفُجُور... مِنْ هنا تَنبَعُ القُلوبُ المُتَحجِّرَةُ وَتَجِفُّ فيها كُلُّ كَلِمَةٍ نابِعَةٍ مِنَ الإنْجِيل، وَتَتَحجَّرُ فيها النُفُوسُ فَتُصْبِحَ عَقيمَةً لا حَياةَ فِيها وَلا جَمال.
     إذًا الخيارُ في الفَرَحِ أمِ الخَوْفِ مِنْ هذا اللِّقاءِ هوَ بَينَ أيْدِينا، وَإنْ كانَ فَرَحُنا يَشُوبُهُ بَعضُ الخَوفِ المَسيحِيِّ بِسَببِ حُبِّنَا لِلآخَرِ وَرَغبَتِنا في خَلاصِه، فَهُوَ جَميل...!
     لَرُبَّمَا سَقطَ سَهْوًا مِنّا أنَّ المُلْكَ الجَديدَ قدْ حَلَّ مَعَ تَجَسُّدِ يَسوعَ وَقدْ تَركَهُ بَينَ أيْدِينا إلى أنْ يَعود، مُسَلِّحًا إيَّانا بِـ"الرّوحِ القُدُس"، وَالرَجاءِ وَالإيمانِ بِالخَلاص. لِذلكَ، كُلُّنا مَدْعُوِّينَ اليَومَ إلى الثَّباتِ أمامَ ضَلالِ العالَمِ وَحُروبِهِ المُرعِبَةِ بِوَقاحَتِها وَشراسَتِها مِنْ كُلِّ نَوع (عبر التلفزيون، والسينما والإنترنيت والمجلات وَالدّعايات الَّتي لا تَترُكُ لِعَينِكَ مَجالاً كيْ تَرَى أكثَرَ مِنْ أنْفِكَ لِفَرطِ كَثرَتِها ....)، مَدْعُوِّينَ لِلإلْتِفاتِ نَحوَ العُمْق، عُمْقِ الحَياةِ الحاضِرَةِ حَيثُ يَنْبُضُ القلْبُ (الكيان كلّه) بِالحَياةِ لنُخْرِجَها مْنْ قَوقَعَةِ المُتَطلِّباتِ الآنِيَة، كَيْ نَفهَمَ ما نَسْمَعَ وَنرَى ما نَنْظُرُ إلَيه، فَنُدْرِكَ ما هُوَ الصَّواب فَنعْمَلَ بِه.
     لذلك، نَحنُ مَدْعوِّينَ اليوم أيُّها الأحبَّاءُ المؤْمنون ألا نَهتَمَّ بِالغَدِ لأنَّ الغَدَ لَهُ هُمومُه، لِنَبدَأْ الآنَ وَكأنَّنا سَنَنتقِلُ اليَومَ إلى أحْضانِ الآبِ السَّماويّ، وَلْنَبْقَ في وَقفَةِ المُسْتَعِدِّ اليَقِظ، المُتَّقِي الرَبّ، الصَبُور، الرَّحومِ،فَيُلبِسُنا الآبُ ثَوبَ مَجْدِهِ وَيكونَ المَوتُ رِبْحًا لَنا مَعَ المَسيح الَّذي يقولُ لنا: "إِحْذَرُوا أَنْ يُضِلَّكُم أَحَد"..."ومَنْ يّصبِرْ إلى المُنْتَهى يَخلُصْ"!