wrapper

"أنتً الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي" (متى 16/18)

المطران جوزيف نفّاع

اليوم يجدّد الربّ بيعته ويزيّنها بالمواهب السماويّة. لقد قدّم يسوع دمه على الصليب من أجل هذا المشروع الخلاصيّ، "الكنيسة". ها هو يبنيها على الصخر، قائلاً لرأسها، بطرس: "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي". فالكنيسة إذًا مقدّسة، لأنّ الربّ نفسه قدّسها. وهي ثابتة إلى منتهى الدهور، لأنّه هو ثبّتها ويثبّها: "وأبواب الجحيم لن تقوى عليها". فالإيمان بالربّ إذًا يفترض إيمانًا بالكنيسة وبقداستها. هذا ما نعلنه كلّ يوم في القدّاس، في قانون إيماننا، قائلين: "وبكنيسة واحدة مقدّسة رسوليّة". قداسة الكنيسة لا تقوم إذًا على قداسة أعضائها أو المسؤولين عنها، من أساقفة وكهنة، بل تقوم على إرادة الله الذي أسّسها وقدّسها وهو يحافظ عليها باستمرار: "ها أنا معكم كلّ الأيّام، حتّى انقضاء الدهر" (متى ٢٨: ٢٠).
من هنا علينا اليوم أن نتأمّل بأمرين اثنين: أوّلاً، أنّ الكنيسة ثابتة مدى الدهر. وليس هناك قوّة قادرة على التغلّب عليها؛ لا قوّة بشريّة، ولا حتّى الشيطان نفسه: "أبواب الجحيم لن تقوى عليها". إذا فهمنا أنّ بناء الكنيسة هو عمل الله نفسه، نفهم بالتالي أن الشيطان غير قادر على الانتصار عليها. فالمواجهة هنا ليست بين الإنسان والشيطان؛ وهذه مواجهة خاسرة. بل هي مواجهة بين الشيطان والله نفسه، وهذه مواجهة محسومة طبعًا. إذ لا قدرة للشيطان أمام الله، باني الكنيسة.
والتاريخ هو أكبر دليل على هذه الحقيقة. إذ، رغم كلّ الصعوبات والاضطهادات التي مرّت بها الكنيسة عبر كلّ العصور، لدرجة أنّ المنطق البشريّ رأى أن سقوطها كان حتميًّا، نجد أنّها وقفت دومًا صامدةً؛ وذلك على الرغم من كلّ ضعف المسؤولين عنها. فقوتّها هي من الله خالقها ومن المسيح فاديها ومن الروح القدس الذي يقدّسها ويجدّدها.
أمّا الأمر الثاني فهو أنّ يسوع وضع بطرس كأساس للكنيسة، بمعنى أنّه أسّسها على الكهنوت. ولقد وضع الربّ كلّ أسرار البيعة السبعة تحت سلطان الكهنوت. ومن ناحية ثانية، يُظهر يسوع أنّه هو من يعمل من خلال هذا الكهنوت نفسه. ولذلك فالكهنوت مقدّس، لأنّه قناة الوصل بين الله والكنيسة. وقداسة الكهنوت لا تقوم بالتالي على قداسة الكاهن الشخصيّة، بل على قرار الله أن يستعمل هذا الشخص بالذات وأن يعمل من خلاله في بناء الكنيسة. لذلك، حتى وإن كان هناك كاهن يرتكب الخطايا في حياته الشخصيّة، فعمله الكهنوتي يبقى مقدّسًا وثابتًا كالصخرة، لأنّ المسيح هو من يعمل شخصيًّا بواسطة الكاهن. والبنّاء الماهر، حتّى ولو استعمل أداوات مكسّرة، يبقى قدرًا على بناء أمور رائعة، تعبّر عن براعته. لأنّه هو الفنّان وهو من يقرّر كيف وبأي طريقة يستعمل كلّ واحدة من الأدوات التي بين يديه.