wrapper

"لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ اسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ"

إعداد الخوري جان مورا
بَعْدَ أنْ دَخَلَتْ الكَنيسَةُ في مَسيرَةِ التَّقْديسِ وَالتَّجْديد، ها هِيَ تَدْخُلُ في عالَمِ ٱلبِشارات. الخَبَرُ الطَّيِّبُ لا يَبْدأ أوَّلاً مَعَ يَسوع، بَلْ مَعَ مَنْ هوَ ٱلسَّابِق: يُوحَنَّا ٱلمعمَدان. هيَ بِشارَةٌ أولى تُهَيِّئُنا للبِشارَة العُظْمَى، بِشارةِ البشارات. لَقَدْ بَدَأ وَعْدُ ٱللهِ يَتَحَقَّق، إنَّهُ زَمَنُ ٱلانتظار.
لقَدْ قَضَى زكرِيَّا حَياتَهُ يَطلُب، يُصَلِّي وَيَتضرَّع، وَحِينَ حَلَّتْ لَحْظَةُ اسْتِجابَةِ صَلاتِه، اضْطَرَبَ وَامْتَلأ قلبُهُ خَوْفًا. لَمْ يَنْقُصْ زَكريَّا الإيمانُ النَّظَريِّ، فَقدْ كانَ يَعلَمُ أنَّ اللهَ مَوْجُود، وَكانَ يُؤْمِنُ بِعَمَلِهِ في تاريخِ شَعْبِه. ما كانَ يَنْقُصُ في زَكَرِيَّا هُوَ الإيمانُ بِعَمَلِ اللهِ في حَياتِه. لَقَدْ آمَنَ الكاهِنُ طوالَ سِنِيِّ حَياتِهِ بِإلهٍ عَظِيم، عَالٍ، مَحْجُوبٍ عَنْ أنْظارِ البَشَر، فَكانَ لا بُدَّ مِنْ لَحْظةِ دُخُولِهِ قُدْسَ الأقْداسِ لِيَعْلَمَ أنَّ اللهَ يَدْعُوهُ الى عَلاقَةٍ تَتَخطَّى الإيمانَ النَّظَرِيَّ وَالجَماعِيّ؛ اللهُ يُريدُ مِنْ زَكَريَّا الإيمانَ بِإلهٍ يَدْخُلُ في عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَه، عَلاقَةِ أبٍ بِابْنِهِ، عَلاقَةِ صَدِيقٍ بِصَديقِهِ، عَلاقَةِ حُبٍّ لا تَنْتَهِي.
لقَدْ تَجَلَّتْ رَحْمَةُ اللهِ في حَياةِ زَكَريَّا، رَحْمَةً طالَمَا طلَبَها زَكَريَّا، صَلاةً كانَ يُرَدِّدُها قبلَ لَحَظاتٍ مَعَ تَقدِيمِ البَخُور: "لتُقَمْ صَلاتِي كَالبَخورِ أمامَك، وَرَفعُ يَدَيَّ كَتقدِمَةِ المَساء". وَحينَ اسْتَجابَ اللهُ، خافَ الشَّيخ؛ لَمْ يَكُنْ يَتوَقَّعْ أنْ يَدخُلَ اللهُ في حَياتِهِ، خافَ مِنْ ضِعْفِهِ وَمِنْ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِ، خافَ مِنْ نَواقِصِه، فَكانَ جَوابُ اللهِ لَهُ: "لا تَخَفْ". كَلِمَةٌ سَمِعَها فَاطْمَأنَّ قَلْبُهُ، كَمَا سَمِعَها قَبْلَهُ إبْراهيم (تك١٥،١) ويشوع بن نون (يش١،٩)، وأشعيا (أش٤١،١-٤)، وَسَوفَ يَسْمَعُها التَلامِيذُ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ القائِم. هِيَ كَلِمَةٌ يَجِبُ أنْ نَسْمَعُها نَحْنُ أيْضًا، حِينَ يَلْمُسُ الرّبُّ قَلْبَنا، وَيُظْهِرُ عَظمَتَهُ في حَياتِنا مِنْ خِلالِ الأحْداثِ اليَومِيَّة. يَطْلُبُ اللهُ مِنَّا، كَمَا طلَبَ مِنْ زَكَريَّا، أنْ لا نَخافُ حُضُورَهُ في حَياتِنا. فَهُوَ لَمْ يَأْتِ لِيَحْرُم قَلْبَنَا الفَرَح، ولا لِيُحَطِّم أحْلامَنا وَمَشارِيعَنا، بَلْ يَدْخُلُ حَياتَنَا لِيُعْطِيَنا مِلْءَ الحَياة، لِيُعْطِيَ وُجُودَنَا مَعْنًى، وَيُحَوِّلُ عُقْمَ وُجُودِنَا الى حَيَاةٍ وَفَرَحٍ وَرَجاء.
هذِهِ البِشارَةُ اليَوْمَ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا:
    نَحْنُ زَكَرِيَّا، يَدْعُونَا اللهُ أنْ نُؤْمِنَ، وَأنْ نَدْخُلَ في عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَه، أنْ نُحَوِّلَ صَلاتَنا مِنْ مُجَرَّدِ وَاجِبٍ وَعادَةٍ الى لِقاءِ حُبٍّ وَثِقَة.
     نَحْنُ ألِيصابات، يَقولُ لنَا الرَّبُّ أنَّهُ قادِرٌ علَى تَحْوِيلِ واقِعِنا مِنْ واقِعِ يَأْسٍ وَمَوْتٍ الى واقِعِ حَياةٍ وَرَجَاء. اللهُ يَقْدِرُ علَى إِعْطاءِ رَحْمِنَا الرُّوحِيِّ جَنِينَ قَداسَة، وَيَقدِرُ علَى تَحْويلِ شَيْخُوخَتِنَا مِنْ حالَةِ تَعَبٍ يَسْبِقُ المَوْتَ الى حالَةِ رَجَاءٍ وَمَصْدَرِ حَياةٍ وَرَجاءٍ لَنَا وَلِلآخَرِين.
     نَحْنُ يُوحَنّا أيْضًا، يُرْسِلُ اللهُ عَلامَةَ رَجَاءٍ وَأَمَلٍ لِلآخَرِينَ كَمَا أرْسَلَ يُوحَنّا الى حَياةِ العَجُوزَيْنِ فَبَدَّلَ واقِعَهُما. يَدْعُونَا اليَوْمَ الى حَمْلِ رِسالَةِ فَرَحٍ وَتَشْجِيعٍ لِكُلِّ مَنْ نَلْتَقِي بِهِ وَمَنْ يَضَعُهُ الرَّبُّ علَى دَرْبِ حَياتِنا. يَدْعُونَا لِنَتَجَسَّدُ في حَياةِ الآخَرِينَ كَيُوحَنَّا آخَر، كَيُوحَنَّا السَّابِقِ لِلْمَسيح، يَأْتِي لِيُعِدَّ لَهُ الطَرِيق، وَيَدعُونَا لِنُهَيِّيء الآخَرِينَ لِقَبُولِ المَسيحِ في حَياتِهِم.
    بِشارَةُ المَلاكِ لِزَكَريَّا هِيَ مَحَطَّةٌ جَديدَةٌ في تاريخِ اللهِ مَعَ شَعْبِهِ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا، يَقولُ لَنَا أنَّهُ لَمْ يَمَلّْ وَلَنْ يَمَلّ مِنْ مُحاوَلةِ إنْهاضِنَا مِنْ جَديدٍ بِالرُغْمِ منْ خِياناتِنا المُتَكرِّرَة. يَدْخُلُ حَياتَنا وَيُحَوِّلُ عُقْمَنَا الى حَياة، لأنَّهُ القادِرُ علي إعْطائِنَا الحَياة.
 هِيَ دَعْوَةٌ لَنَا لِنَثِقَ بِاللهِ، وَنَحْمِلَهُ في حَياتِنا، لِيَعْلَمَ الجَميعُ، مِنْ خِلالِ شَهادَةِ حَياتِنَا وَوَفائِنا، أنَّ اللهَ حاضِرٌ، وَأنَّهُ لا يَزالُ يَعْمَل.