wrapper

تجلّي عهد الله في العائلة

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا
يندرج هذا النص ضمن أناجيل الطفولة التي يفرز لها متى فصلين تُفتتح بنسب يسوع للدلالة على أنّ حدث الخلاص الذي تَحَقَّق بعمانوئيل الرب المسيح هو قلب ومحور تاريخ البشرية. كلّنا نعلم أنّ متى كتب إنجيله بعد خراب الهيكل بعشر سنوات. لقد أراد أن يقول لليهود وللجماعة المسيحية الأولى المُضطهَدَة أنّ يسوع هو كمال المواعيد ومنذ ولادته يحوي ويحمل حقيقة التدبير الإلهي. فالمخلِّص الذي وُعِد به أبوينا آدم وحواء، والوعد الذي قُطِع لإبراهيم ونسله إلى الأبد، وابن داود المخلِّص الموعود به، ليس إلاّ ابن مريم ويوسف، يسوع المسيح. إنه المسيح الرب والمخلِّص الفادي "عمانوئيل" أي الله معنا. كل ذلك يتمّ في إطار عائلة: عائلة يوسف ومريم. لا يتطرّق متى كثيرًا إلى الحالة النفسية التي يمرّ بها كل من يوسف ومريم أمام الحدث العجيب ولكنه يذهب بنا لنكتشف دور ورسالة يوسف من منظار الله. يقول النص أنّ يوسف كان بارًّا. ما هو معنى "بار"؟ حين طلب الله في العهد القديم من ابراهيم أن يترك أرضه وشعبه وأن يقوم وينطلق إلى الأرض التي يهديها إليه الله. آمن ابراهيم وترك أرضه وشعبه وقام وانطلق سائرًا أمام وجه الله فَحُسِبَ له ذلك برًّا. فالبرارة ليست بتطبيق الشرائع ولكن بقبول المغامرة التي يدعونا إليها الله والعمل بإرادته. هكذا كان لنوح الذي تَمَّمَ ما أَمَرَه به الله وهنا يوسف هو بارّ أي أنه يترك مريم سرًّا كون الله اختارها لتكون أمًا "عذراء" لوحيده الكلمة الأزلي. فَهَمَّ يوسف بالابتعاد رغم حبّه لها ولكن الله يريد ليوسف دورًا في مشروعه الخلاصي لذا أرسل إليه ملاكه فَحَدَّد له رسالته: "لا تخف أن تأتي بمريم امرأتك إلى بيتك". فالله يأتمنه عليها ليحميها مع وليدها. ثمّ يتوسّع الملاك باسم المولود، الاسم في مفهوم اليهود يحدِّد رسالة الشخص وعمل الله من خلاله. يقول الملاك ليوسف: "سمِّه يسوع" ("يسوع" = المخلّص) وهو ("عمانوئيل" = الله معنا) وهكذا سيختم متى إنجيله "أنا معكم حتى انتهاء الدهور"، وها "عمانوئيل" معنا في الكنيسة خاصة من خلال القربان الأقدس يُتَمِّم تدبير الآب فينا.
خلاصة: في قلب العائلة، عائلة يوسف ومريم يَتِمّ تصحيح وافتداء خطيئة العائلة الأولى آدم وحواء. تدبير الله يَتِمّ ويكتمل من خلال العائلة، حبّ الله للعالم يتجلّى في العائلة. فَهِمَت مريم دورها كحاضنة ووالدة للحياة وكذلك يوسف فَهِمَ أنه حامي وحارس الحياة فسارا معًا يتمّمان إرادة الله الخلاصية.
إخوتي، أخواتي،
لا يكفي أن يتزوّج الرجل من امرأة في المسيحية ولكن على كل زوج وزوجة أن يكتشفوا أنّ لهم دور في مشروع الله الخلاصي وأنّ السرّ الذي قبلوه، سرّ الزواج هو لقداستهم وعليهم أن يحافظوا ويرعوا ويحضنوا وينمّوا الحياة المنقولة إليهم بالمحبة والعطاء الكامل. وإن اعترتهم مشكلة أو صعوبة أو ما شابه فليستنيروا بكلام الله ويكونوا مستعدين للتوبة والاستغفار والمغفرة.
إخوتي، أخواتي،
إنّ الروح الذي حلّ على مريم فتجسّد في حشاها المسيح ابن الله هو الذي يَكْشِف لبولس وللرسل وللأنبياء القديسين، السر العظيم (أف 3/1-13): أولاً شمولية الخلاص في المسيح يسوع، ثانيًا قوة التقرب إلى الله بطمأنينة. إنّ السر الساكن في حشا البتول مريم بانت حقيقته ليوسف أنه من الروح القدس وهو يسوع الذي يخلِّص شعبه من خطاياهم. وهذا الروح عينه يكشف لكل زوج وزوجة سرّ المسيح. وكلّما تعمّقوا وتأمّلوا به نالوا القوة على تخطّي الصعوبات والمشاكل ونالوا الإلهام لكي يثبتوا بقبول ونشر حضارة الحياة والمحبة فتصبح عائلتهم كنيسة صغرى تمجّد الله. آمين.