wrapper

نعمة الانتماء

إعداد الخوري يوحنا مخلوف
انطلاقًا من أهمية الهوية والانتماء، يتساءل الإنسان عن مصدر وجوده، وعن الهدف من حياته على الأرض، وبالأخص يبقى السؤال المرافق، السؤال الهاجِس لكل إنسان إلى أين أنا بعد الموت؟
الجواب هو عند ابن الله المتجسِّد الذي كشف لنا بأنّنا من حشا الله خرجنا ومعه نحيا حياتنا البشرية وإلى حشا الآب نعود.
هذا هو الانتماء الحقيقي للإنسان فنحن من سلالة يسوع الذي دخل تاريخنا وسُجِّل في سجلات قيدنا ليرفعنا إليه ويضمّنا إلى سجّله السماوي.
يعرض لنا الإنجيلي متى في نص أسبوع نسب يسوع البشري أسماء كثيرة تعود بنا إلى أصول الابن المتجسِّد التي تصل إلى النبي ابراهيم "نبي الوعد" وغدًا نتأمل بالأصل الإلهي ليسوع انطلاقًا من مقدمة إنجيل يوحنا "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والكلمة هو الله والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يوحنا 1).
يجمع يسوع في شخصه الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية، إنها الهوية الجديدة التي أراد أن يمنحنا إياها الآب السماوي الذي تبنّانا بابنه، فلسنا بعد ترابيين بل منوّرين ومدعوين إلى التألّه، إنه الميلاد المتجدِّد يوميًا عبر التاريخ.
من خلال هذا الانتماء الإلهي إلى بشريتنا الضعيفة، نفهم الأبعاد الخلاصية التي أرادها يسوع والتي شملت أولاً الخاطئين كما شملت البشرية جمعاء.
إذا عدنا إلى الانتماء البشري الذي هو اختاره، لرأينا بأنّ هناك أبرارًا في سلالته وهناك خطأة أيضًا، فلِما العجب في ذلك؟
إذا عدنا إلى اختياره لرسله، لوجدنا من بينهم من يحملون الضعف الظاهر في النكران والهروب وحتى المشاركة في اضطهاد المسيحيين واستشهادهم. وإذا عدنا إلى مجالسه، نراه يجالس الخطأة والعشارين، يجلس مع السامرية، المرأة المتعدّدة الشركاء وإذا بها تتهلّل قائلة "وجدتُ المشيحا"، ومع زكا ومتى اللذين كانا يجمعان الضرائب من أبنائهم لمصلحة الدولة المحتلة، ومع الزانية، والأبرص، والنازفة، والمخلّع... وكلّهم في تقييم شعب العهد القديم خطأة! فكيف يجالسهم إن كان هو حقًا قدّوس الله؟
علينا أن نتخلّى عن فكرنا البشري الضعيف لندخل في فكر المسيح الذي أراد من تجسّده أن يفتّش عن صورته الضائعة، صورته المشوّهة ليعيد إليها رونق الخلق الأول! أتى إلى المرضى ليمنحهم الشفاء، وإلى الخطأة ليتصالح معهم، وإلى الضعفاء ليمنحهم القوة، وإلى الأبرياء ليطلق سراحهم، وإلى المهمَّشين على قارعة طريق هذا العالم ليعيد إليهم دورهم وكرامتهم البشرية، إلى الجياع ليشبعهم من قوت جسده وإلى العطاش ليرويهم من مائه الحي. إنه السامري الصالح الذي أتى ليحملنا على منكبيه، ليضمِّد جراحنا، ويدفع عنا فاتورة استشفائنا بدمه الثمين على الصليب.