wrapper

المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام

+ المطران جوزيف نفّاع
مع حلول الميلاد تصدح الدنيا بنشيد الملائكة: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام". جاء الربّ يسوع ليروي عطش أرضنا للسلام. ولكنّنا نقف حائرين أمام استمرار الحروب في كلّ أصقاع الأرض. ويسألنا أولادنا عن معنى الميلاد الحقيقيّ: هل يوجد فعلاً دور وتأثير للطفل يسوع على مجريات هذا التاريخ وعلى واقع الحال؟". أين هو السلام الموعود؟ وبماذا نحتفل؟
لا يخفى على أحد كميّة الشقاء المتناثر من حولنا: حروب تطالنا وتضغط حتّى على بلادنا. جوع وفقر، ولا نجد بين أيدينا ما يكفي لسدً كلّ الحاجات. حقيقة لا يمكننا أن نهرب منها. ولكن، هناك حقيقة أخرى من الواجب والضروريّ أن نضعها نصب عيوننا كلّ يوم: لولا المسيح، لتحوّل عالمنا إلى أبشع بكثير ممّا هو عليه اليوم. لا حدّ لوحشيّة الإنسان، إن لم يكن له رادع ينير بصيرته. يمكننا التأكّد من هذه الحقيقة كلّ يوم. يكفي أن نلقي نظرةً على ما يقوم به الإرهاب وكيف تتصرّف السياسة، عندما تتخلّى عن الله. لقد شهدنا في الفترات الأخيرة مشاهد لم نكن لنتصوّر إمكانيّة حصولها. من هنا نعرف "عمل الله الخفيّ" في قلب كلّ مؤمن. فهو يضع فيه السلام والمحبّة. ينمي فيه الحسّ الإنسانيّ، حتّى ولو لم يتحوّل ذاك الإنسان إلى ملاك، إلاً أنَه يبتعد شيئًا فشيئًا عن غرائزه الشرسة، ليترقّى باستمرار نحو الملكوت. كما أنّ كلّ مؤمن، بحمله يسوع في قلبه، يتحوّل إلى منارة صغيرة في مجتمعه، تكسر عتمة الليل المطبقة بأنوار المسيح التي تشعّ من قلبه.
أتى يسوع "إلى عالمنا" ليحوّله. لم يلغ عالمنا، بل عمل عليه وفيه ومن خلاله، لتخليص هذا العالم الضعيف بالذات. لو قرّر يسوع إلغاء كلّ ما يشوبه أيً شيء من الشرّ لكان ألغانا، أنا وأنت أيضًا. نحن أيضًا لسنا ملائكة. وأمام ضعفنا، نطلب من الله المسامحة، وأن تطول أناته بصبر علينا. فهذا اليسوع يرى من مغارته والمذود كلّ بقعة شرّ وهو يرسل الآن شعاع محبّته لينيرها. ولكن، وفي نفس الوقت، ترسل قلوبنا المجروحة بالبغض والأنانيّة سوادها لتمنع الدنيا من الاستنارة الكاملة.
نحن إذًا في عمليّة دائمة من ولادة الظلمة، تسبّبها الطبيعة البشريّة الضعيفة، تتسارع صوبها أنوار الميلاد، تحمل ترياق السلام والمحبّة، لتعالج الخليّة المصابة في المجتمع. وهكذا دواليك، إنّ عمليّة "الميلاد" لا تتوقّف أبدًا، لا بل يمكننا القول إنّ ميلاد يسوع هو "حدث يوميّ"، نحتفل به نحن في الخامس والعشرين من كانون الأوّل.
جوابنا اليوم هو كلمة "نعم" إنّ يسوع يعمل باستمرار وبقوّة لجعل عالمنا عالمًا أفضل ومكانًا قابلاً للحياة. وبدونه، نحن نحكم على أنفسنا وعلى أولادنا بالبؤس أو حتّى بالفناء. نحن اليوم أكثر حاجة للميلاد ممّا مضى. فلنحتفل به إذًا بحبّ وشوق وامتنان لهذا الطفل العجيب. ولنتمسّك به فاتحين له القلوب، ليملأها سلامًا؛ طالبين منه أن يعلّمنا كيف نكون منارات سلام في بيوتنا ومجتمعاتنا. إن لم نعمل، مع يسوع، على نشر السلام، سوف تتغلّب الظلمة علينا وسوف نفقد فرحنا والعيد. فالميلاد هو لمصلحتنا وتحقيقه هو أيضًا من مسؤوليتنا. لقد زرع يسوع ميلاده فينا نحن المؤمنين المصلّين في هذا اليوم المبارك المجيد، علينا بالتالي أن ننشر هذه الأنوار في قلوب من هم حولنا، مبتدئين بأولادنا وإخوتنا والأصدقاء، حتى نصل إلى حمل "بشرى الميلاد" إلى كلّ من نلتقيهم في الطريق.