wrapper

تسلّل العصر الجديد في الكنيسة (4)

أقوال مفخّخة (2)

كيف تتسلّل أقوال العصر الجديد المفخّخة ويستشهد بها المؤمنون إكليروساً وعلمانيين، عن حُسن نيّة ولكن بدون دراية منهم ولا روح تمييز، فينساقون عن جهلٍ منهم ورغمًا عنهم، إلى أضاليل وكذبات العصر الجديد.

تكلّمنا في مقالة سابقة كيف تنتشر عبر الإنترنت وخصوصًا عبر مواقع التواصل الإجتماعي، أقوالٌ لفلاسفة وروائيين ومؤلّفين، تبدو في ظاهرها أقوالاً مأثورة وحكيمة، وقد لا يكون لبعضها ضررٌ البتّة، لكن هي كالطُعم في الصنّارة، تسوّقها مواقع وصفحات لاصطياد أتباعٍ لها، هي بأغلبها تابعة للعصر الجديد أو لبدع أخرى تشبهها أو منبثقة عنها.

وقد أوردنا مثلَين إثنين هما عبارة عن مقولتَين، إحداهما للكاتب المشهور عالميًا باولو كويللوPaolo Coelho وأخرى لستيفن ريتشارد Stephen Richard وهما مؤلّفان من العصر الجديد، وشرحنا معانيها المبطّنة وكيف تتناقض مع تعاليم الكنيسة المقدّسة.

لنوضح أكثر فخاخ هذه البدعة، سنعطي أمثلةً إضافية يتّضح فيها خبث تعاليم أتباعها الذين ينطبق عليهم قول الرب يسوع: “إحترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنّهم من داخل ذئابٌ خاطفة!” (مت7/ 15). وأيضاً ما قاله الرسول بولس لتلميذه تيموتاوس: “إحفظ الوديعة، مُعرضًا عن الكلام الباطل الدنس، ومخالفات العلم الكاذب الإسم” (1تم6/ 20).

باولو كويللو والأسطورة الشخصية

لا نتفاجأ بكلّ ما يقوله هذا الروائي التابع للعصر الجديد والذي ذاع صيته عالميًا بعد نشر كتابه “الخيميائي”L’Alchimiste . نستشفّ من خلاله تعاليم الحلولية والألوهة الشخصية والذاكرة الكونية الخ، وكلّها تتناقض مع الإيمان المسيحي. يقول فيه: “يتغذّى روح العالم من سعادة الناس أو من تعاستهم، من رغباتهم أو من غيرتهم. إنّ تحقيق الأسطورة الشخصية (الحلم الشخصي) هو واجب البشرية الوحيد. كلّ شيء ليس إلّا أمرًا واحدًا. وعندما ترغب بشيء، الكون بأكمله سيتواطأ معك ليساعدك على تحقيقه”[1].

لا شك أنّها رؤية “أحادية” ترى الألوهة في كلّ شيء ولا تميّز بين ما هو من طبيعة الخالق وما هو من طبيعة المخلوق. يقول أيضاً: “بدأ (الخيميائي) يفهم أنّ الأحاسيس الباطنية هي تداخلات سريعة للروح في هذا التيّار الكوني الحيوي، حيث تاريخ جميع الشعوب مترابط وواحد، يمكننا من معرفة كلّ شيء لأنّه مدوّن…” ويضيف قائلاً: “وغاص الشاب في روح العالم ورأى أنّه جزء من روح الله وأنّ روح الله هي روحه هو!”[2]

  وفي كتابه “حاج كومبوستلا” Le pèlerin de Compostelle روايته “الغنوصية” بامتياز، يزوّر كويلو جوهر الحج المسيحي الذي هو توبة قلبية وتحوّل داخلي كيانيّ صوب المسيح. فالطاقة المؤلّهة بنظره موجودة في كلّ المخلوقات من الحصى الصغيرة إلى الأخدار السماوية، من العشبة الخضراء إلى الأرزة الشاهقة، ومن الحشرة الهزيلة إلى العالِم الكبير!

ورد مثلاً في أحد أقواله الخبيثة التي نشرت مؤخّرًا على أحد مواقع التواصل الإجتماعي: “يتحدّث الناس بصراحة أكبر مع الطبيب النفسي أكثر من الحديث مع رجل الدين، لأنّ الطبيب لا يهدّدهم بجهنّم!!” – باولو كويللو

نتساءل بدايةً كيف عرف ما يفضّله الناس؟ ربّما فضّل عدد كبير منهم، وخاصة المؤمنون، الذهاب إلى الكاهن ليطلبوا الإرشاد وهم لا يرغبون أبدًا بالذهاب إلى المعالج النفسي.

 ومن قال إنّ رجال الدين يهدّدون الناس بجهنّم؟ لا شك أنّ جهنّم حقيقة أكّد عليها الكتاب المقدّس وتعليم الكنيسة والآباء القدّيسين (بنود 1033-1037 من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية). وفي تلاوة فعل الندامة نقول إنّنا “نتوب ليس خوفًا من جحيم ولا طمعًا في نعيم. بل نتوب محبةً بالمسيح إلهنا مخلصنا وفادينا”. قد يبالغ بعض الكهنة في التكلّم عن الدينونة وجهنّم، إلّا أنّ هذا الأمر لا يبرّر أبدًا مقولة كويلو.

من أهداف العصر الجديد كروحانية بديلة عن كلّ الديانات، أن يُلغي كلّ انتماء للكنيسة وللإكليروس، لذلك يسعى إلى تشويه صورتهم وزعزعة ثقة المؤمنين بهم بالتركيز بشدّة على أخطاء وتجاوزات بعض الكهنة. كلام كويلو مبطّن يوحي بأنّ المسيحية ديانة رعب وتهويل وضرب عصي، كأنّ الإيمان غصبٌ وإكراه وعبودية! بالفعل لقد عميت بصائرهم وغاب عنهم أنّ المسيح هو الحقّ الذي يحرّر (يو8/ 32) وبه أخذنا روح التبنّي الذي به نصرخ: “يا أبا الآب”(رو8/ 15). في الحقيقة، المسيحية ليست دينًا، بل طريقة عيش إقتداءً بشخص المسيح، الإله والإنسان، الكليّ الرحمة والكليّ الصلاح، ربّ الصباؤوت والضابط الكلّ. المسيحي لا يتبع المسيح خوفًا من دينونة أو من عقاب، بل يلتزم التزام المحبّين المحبوبين. هو يعشق المسيح المصلوب القائم والممجّد الذي بذل حياته من أجل خلاص العالم! لنحذر إذن من هذه الأقوال لأنّها كالسمّ المدسوس في العسل، لنغربل ونفصل القمح عن الزؤان. ويكون من الأفضل لنا ألّا نقبله ولو فيه حقائق جزئية، وأن نرفضه كليًا.

2- “أطلب، آمن، تحصل” (قانون الجذب)

Ask Believe Receive (Law of attraction)

هذا القول ابتدعه العصر الجديد. وللوهلة الأولى يبدو لنا مألوفًا. بالفعل يذكّرنا بآيات إنجيلية مثلما ورد في إنجيل متى. يقول الرب:” إسألوا تعطوا. أطلبوا تجدوا. إقرعوا يفتح لكم” (مت7/ 7). ليس من باب الصدفة أن يكون هذا الشعار مشابهًا للإنجيل، فهو مقصود للإيحاء أنّه كلام الله وهو صحيح. فأتباع العصر الجديد لا يتورّعون عن تحريف آيات من الكتاب المقدس ليؤكّدوا على صحة ادّعاءاتهم وفرضياتهم الواهية. في الحقيقة، نحن نصلّي ونترجى الله ونطلب باسم يسوع العطايا والبركات المادية والروحية. والله رحوم ورؤوف يستجيب متى كانت طلباتنا تتوافق ومشيئته القدّوسة في الأوقات التي يختارها هو، لما ينفعنا ويبنينا ويقدّسنا في المسيح من أجل خلاص نفوسنا. لكنّ فكر الله هو غير فكرنا، ومقاصده الإلهية هي غير مقاصدنا البشرية. المقصود هنا يخدم تعاليمهم الملتوية: إسأل ما تتمنّاه وتشتهيه بحسب أهوائك ونزواتك وآمن أنها ستتحقّق فتحصل بالفعل على كلّ ما تريد!

يستعملون هذا القول للترويج لفرضية يسمّونها “قانون الجذب”[3]Law of Attraction   وهي ليست نظرية ولا قانوناً بل فرضية وهمية، أصولها متجذّرة في اعتقادات وثنية وسحر وشعوذات. تدّعي هذه الفرضية أنّ “المتشابهات تجذب المتشابهات”Les semblables attirent les semblables  وهي إحدى مبادئ السحر. يعني إذا فكّرت إيجابيًا تجذب الإيجابيات، إذا فكرت بالغنى تغتني، وإذا فكرت في المرض والفقر تمرض وتفتقر، لأنّ للفكر عندهم طاقة يمكنها أن تتجسّد وتصبح مادة حقيقية. يكفي أن تتخيّل ما تريد وتركّز بالفكر عليه وتؤمن أنه سيكون لك فيكون! أنت مثل الله تخلق واقعك ! كلّ شيء بالنسبة لهم ممكن بقوّة العقل والفكر. لذلك ينصح هؤلاء بإيقاظ القوى الباطنية الخفية مثل “أنطوني روبنز”Anthony Robins  المتحدّث البارع في التنمية البشرية وتطوير الذات، أو بترداد أقوال تحفيزية بالإيحاء الذاتي والتنويم الذاتي الذي تنصح به الكاتبة المشهورة لويز هاي Louise Hay (+2017) الناشطة في بدعة “كنيسة العلوم الدينية”[4].

باختصار، أنتَ لستَ بحاجة إلى الله. أنت هو الله القادر على تحقيق أمنياتك. لذلك  تستعين  بتقنيات نفسية بديلة مشبوهة مثل التنويم الذاتيAuto hypnose  والتخيّل والتصوّر الذاتيAuto visualization  والسفر الأثيري Le voyage Astral وما شابهها. هي خلطةٌ من الأوهام والتخيّلات المرَضية التي ليس لها أساس علميّ. هي نفسها كذبات الحية القديمة “وتكونان كالله” (تك3/ 5)، عدوّ الخير الذي يشكّك في الله ويحرّف كلام الله ويوهم الإنسان أنه يستطيع أن يؤلّه نفسه بنفسه!

لمجد المسيح.

جيزل فرح طربيه – باحثة في البدع

[1] Paolo Coelho, L’Alchimiste, France Loisir. Ed. Anne Carriere, 1994, p. 46- 47

[2] Ib, p.122, p.233

[3] لمعرفة المزيد حول قانون الجذب مراجعة كتابنا الذي سيصدر قريبا جدا عن دار المشرق: “تيار العصر الجديد من وجهة نظر الايمان المسيحي”

[4]  وتعرف أيضا بالعلم الديني الذي أسسه إرنست هولمز. هي بدعة متأثرة بما يعرف بتيار الفكر الجديد New thought الذي أسسه فينياس كويمبي، والذي ألهم أيضًا بدعة “العلم المسيحي” Christian Science وما يعرف ببدعة إنجيل الرفاهية Gospel of prosperity

المرجع: www.zenit.org