wrapper

رأي و فكر

في عيد الميلاد، نتحدَّث مطوَّلاً على الله الابن الذي اختار ان يولد طفلاً صغيرًا وضعيفًا في مذود. وفي عيد الميلاد ايضًا، نسارع الى شراء الهدايا وتوزيعها على الأطفال لإدخال البهجة الى قلوبهم. جميل هذا الاهتمام بالطفل وبسعادته في الميلاد! ولهذا اخترت ان اكتب في هذه المناسبة، عن مسؤولية البالغين نحو الأطفال والقاصرين حتى ينموا بالقامة والروح امام الله والناس.
 طفل يقيَّد "بكلبشات" طوال الليل حتى لا يُزعج بحركته. وطفلة تُضرب "بسيخ اللحم" المحمّى كلَّما نالت علامة أقلَّ من "ممتاز". صبي يُركل ويُشتم امام الجيران، وصبيّة تُصفع ويستهزىء بها امام الأقارب. هذه قصص أولاد حقيقيين. والمحزن انهم عُنِّفوا على يد والديهم. وتكثُر القصص، وتتنوَّع اساليب الإساءة تنوّعًا يُذهل العقل، ويُدمي القلب، وأسوأها التحرش الجنسي. فلهذا الاعتداء آثار سلبية كارثيَّة على القاصر نفسيَّا وانسانيًّا وروحيًّا. فكُثر هم الذين بعد التحرش بهم يحاولون الانتحار او يقعون في الإدمان او ينحرفون في مسلكهم او يغرقون في الخجل والذنب فيفشلون في كلِّ ما يقومون به.
 طفل المذود يسوع، احتاج الى محبة وعناية واهتمام وحماية مريم ويوسف لينمو بالحكمة والقامة. وكذلك كلّ طفل أو قاصر لأنه بطبيعته، يثق بالكبار من حوله، ولا يستطيع ان يميِّز "الشرير" من بينهم، ولأن كل اساءة يتعرَّض لها أو تعنيفًا أو تعديًا قد يحطمّه ويغيّر له ذاته بشكل نهائي.
والكنيسة تعي هشاشة القاصر وضرورة حمايته من كل اساءة او تحرّش. ولذلك فهي تعمل في المجال التربوي والاجتماعي. إنها تربي على احترام الآخر وحماية شخصه وحقوقه. وهي تجهد في الدفاع عن المستضعَف كائنًا من كان. والكنيسة الكاثوليكية في لبنان تُدرك ان من بين رجالها ونسائها من أساء ويسيء الى الطفل والقاصر بتحرشٍ او سوء معاملة. ولذلك فهي تحقِّق في كل حادث تُبلَّغ به، ولو بعد حين، وتتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المعتدى عليه ومعالجة آثار التعدي. وهي تحاسب المعتدي بشدة من دون إغفال مرافقة الاثنين روحيَّا ونفسيًا حتى يعيشا ملء انسانيتهما.
إخوتي وأخواتي، ولد الطفل يسوع المسيح، هللويا! واكرامًا لميلاده، فلنرافق بالحبَّ كل طفل وقاصر في بيتنا حتى البلوغ، ولنربِّه بصبر وعناية، ولنقف الى جانبه في وجه أي معتدٍ، كائنًا من كان.

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا
نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل... وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور...
إنّ عقيدة الثالوث الإله الواحد المتساوي في الجوهر ذات الأقانيم الثلاثة كلّفت الكنيسة الكاثوليكية، ولأكثر من ألف سنة، وعدد كبير من المجامع المسكونية الكبرى والإقليمية والمحلية الصغرى، كلّفتها جهدًا وفكرًا وشهداء وجهادًا، أكثر ممّا كلّفت عقائد أخرى.
فالآب أولد الابن قبل كل الدهور. لم يكن وقت فيه الآب ولم يكن فيه الابن. والابن مساوٍ للآب في الجوهر والطبع والمجد والعزة والكرامة... إله كامل من إله كامل لا نقص فيه ولا ألم ولا حاجة فيه إنه وحيد الآب وكلمته. كامل المعرفة والإدراك ولا يخفى عليه شيء. به كان كل شيء ومن دونه ما كان شيء مما كوّن. به كانت الحياة.
يقول البابا فرنسيس في رسالته "فرح الحب" 2016 "الحب يرفض منذ البدء أي علة تدفعه إلى الانغلاق على ذاته". فالله محبة "لا يمكن أن ينغلق على ذاته فلذلك كان الخلق فعل حبّ صافٍ من الأقانيم الثلاثة. فصار الخلق والتكوين ثمرة لهذا الحب الثالوثي.
... خطئ آدم وحواء. أرسل الله الرسل والمبشرين والأنبياء وأعطى وعده بالخلاص وحين حان الزمن. وُلد ابن الله من بتول طاهرة، مباركة من بين النساء، وصار بشرًا مثلنا. شابهنا بكل شيء ما عدا الخطيئة. وحيد الآب المولود قبل كل الدهور. الإله الذي لا نقص به أخذ صورة العبد تواضع حتى الإمحاء. أفرغ ذاته من ظواهر اللاهوت ولبس ضعفنا. الكلمة صار بشرًا. "الله معنا" "عمانو إيل".
إنّ تجسّد الابن لم يغير طبيعته الإلهية فبقي مساويًا للآب والروح في الجوهر. ولكن أصبح له طبيعتان واحدة إلهية لا نقص فيها وواحدة بشرية خاضعة بفعل جوهرها للنقص والضعف انطلاقًا من المبدأ القائل كل ما هو مخلوق هو ناقص له بداية وله نهاية وعنده حاجة يعمل على إشباعها وسدّها. صار ابن الله ابن البشر لكي يُخلّص الإنسان من موت أبدي، من النهاية التي استحقها الإنسان لذاته حين عَصَى آدم وحواء وصية الله. ويقول البابا لاوون الكبير (+461) "تنازل ليعتنق حالنا الحقيرة غير منقوص العظمة. أخذ ما لم يكن عليه ولم يبرح ما كان".
سمعنا اليوم أسماء منها الغريب والمضحك للبعض منا. لائحة الأسماء هذه تؤكد أنّ ابن الله الذي لا بدء له ولا نهاية أخضع ذاته لشريعة الزمان وانتمى إلى التاريخ من خلال سلالة بشرية.
إنّ هذه السلالة عانت من الخطيئة، هُجِّرت وسُبيت أكثر من مرة. حقّقت انتصارات وتحمّلت الهزائم. عرفت التقوى وعاشت الزنى. تألّمت، فرحت، جاعت، عطشت، ابتعدت عن وصايا الله وشريعته، كما أحبّت الله وآمنت به. أتى المسيح مولودًا من امرأة تدعى مريم لها خطيب اسمه يوسف. ولد في قلب عائلة فقدّس الزواج وجعل "العائلة خيرًا لا يستطيع المجتمع أن يتخطاه، إنّما بحاجة إلى أن يحافظ عليها" (فرنسيس).
يقول البابا فرنسيس في هذا الصدد "إنّ يسوع الذي صالح كل شيء في ذاته، أعاد الزواج والعائلة إلى حالتهما الأصلية. وقد افتدى المسيح العائلة والزواج، وأعادهما على صورة الثالوث الأقدس، السر الذي منه تنبع كل محبة حقيقية".
يسوع، يا إخوتي، ليس فيلسوفًا كبيرًا ولا معلّمًا عظيمًا وليس صاحب رؤيا أو متنورًا أو... لكنه ابن الله وابن مريم البتول. إنه المولود قبل كل الدهور من الله الآب من دون أم والمولود في الزمن من الفائقة القداسة دون أب. الميلاد ليس عيد الشتاء لكنه عيد التجسد الإلهي، عيد ولادة المخلّص.
الميلاد ليس ثيابًا وزينة وأكلاً وشربًا وهدايا وتعبًا نفسيًا وعامل تحريك اقتصادي لكنه عيد اتحاد اللاهوت في الناسوت. إنه مثال الزواج. إنه عيد للعائلة التي أصبح لها مثالاً عائلة مريم ويوسف المقدّسة بالمولود العجيب يسوع المسيح.
ولد المسيح هللويا!

إعداد الخوري يوسف بركات
بيخبّر النبي أشعيا عن حضور الله مع شعبو وبيقول إنو بِإيّامو كان في ملك اسمو آحاز وكان هيدا الملك فاسد وترك إيمان أجدادو بالله وصار يعبد الأوثان ودمّر مذبح الله اللي بناه الملك سليمان الحكيم (أحد أجدادو). وبهالزمن، كانت مملكة آحاز مهددة وعلى عداوة مع مملكتين: مملكة دمشق ومملكة السامرة. وكان كل شي مسكّر بوجو خصوصي إنو ما عندو ولد يورتو. قرّر إنو يتحالف مع مملكة الأشوريين اللي هيي وثنية. بهالوقت، بيجي لعندو أشعيا تا يقنعو يتّكل على الله وما يتحالف مع الوثنيين. بس آحاز الملك ما قبل وما وثق بالله ورفض إنو يطلب آية من الله. وقف أشعيا بوجو وعطاه وعد بيقلّو فيه: "ها إنّ الصبية تحمل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمّانوئيل" (أش 7/14). بالوقت اللي كان الملك آحاز عم بيشوف كل شي مسكّر بوجّو بيعطيه الله وعد "من نسلك، يأتي المخلّص".
بيخسر آحاز المعركة لإنو ما سمع لكلام أشعيا النبي وما اتكل على الله. بس بالرغم من هالشي، كان الله أمين بوعدو وحبلت مريم، صبية من الناصرة، وكان (زوجها) يوسف من سلالة آحاز اللي أحد أجدادو داود (سلالة ملوكية).
هيدي القصة مش قصة من الماضي وبس، هيدي القصة بتخبرنا عن حقيقة ما انتهت ومار رح تنتهي أبدًا لإنو الله معنا وما بيتركنا حتى بالأوقات الصعبة والأليمة.
منشوف إخوتي الإنجيلي متى ببلّش إنجيلو بإنو يسوع هوّي عمانوئيل واللي بيعني الله معنا ورح ينهي إنجيلو بالحقيقة ذاتها لمّا بيقول يسوع لتلاميذو: "ها أنا معكم طوال الأيام حتى نهاية العالم" (متى 28/20).
الله معنا، ما نخاف. خلّونا دايمًا ماشيين بالحياة وكلنا رجا إنو الله ما بيتركنا لو مهما اشتدت وقويت علينا الصعوبات.

إعداد الخوري بول مرقص الدويهي
مع أحد مولد يوحنا المعمدان، ندخل في الأسبوع الرابع من زمن الميلاد، زمن المجيء، زمن التجسّد. يوحنا اسم عبري معناه "الله حنان".
إخوتي، أخواتي،
إنّ إلهنا إله "حنون رحيم" (مز 111)، "بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء" (خر 34)، لا يترك الإنسان ولا يُهلكه ولا ينسى عهده معه (تثنية 4).
إنّ حنان ورأفة ورحمة الله تجاهنا أهم من المشاعر التي تكنّها الأم لطفلها: "هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى لو نسيت النساء فأنا لا أنساك" (أشعيا 49).
إنّ هذه الآية من سفر أشعيا تظهر عمق حنان الله الذي لا يسد أذنيه حين يصرخ شعبه بل يأتي إليه ليرعاه ويقوّيه ويخلّصه.
هذا الحنان تجلّى بافتقاد الله لشعبه وإرساله ابنه الوحيد نورًا للأمم. يوحنا المعمدان لم يكن النور بل كان شاهدًا للنور. إنّه مُرسَل ليعدّ طريق الرب ويكرز بمعمودية التوبة. إنّه مثال التلميذ الأمين الزاهد بالسلطة وبكل أمجاد الدنيا الفانية. لم يصنع لنفسه أتباعًا بل أعد تلاميذه ليكونوا أتباعًا للمسيح فقط. تواضع فكبر بتواضعه وأبرز المسيح للناس.
إخوتي، أخواتي،
على مثال يوحنا المعمدان يجب علينا إظهار حنان المسيح ولطف المسيح ووداعة المسيح ومحبة المسيح ورحمة المسيح للآخر ودعوته إلى التوبة وإدخاله في علاقة مع المسيح. إنّ هذا العمل يتطلّب بالدرجة الأولى أن ندرك عمق محبة الله لنا: "عندما نكتشف كيف يتصرّف الله معنا يدفعنا هذا الأمر للتحلّي بمواقف التسامح والصبر والحنان تجاه الآخرين. ولذلك نحن بحاجة لننمي ثورة الحنان هذه كثمرة لسنة الرحمة ونحمل حنان الله لكل فرد منا وبالتالي ينبغي على كل فرد منا أن يقول أنا خاطئ تعيس لكن الله يحبني هكذا كما أنا وينبغي علي أن أحب الآخرين بأسلوب الله عينه" (البابا فرنسيس).
في هذا الأحد المبارك، لنطلب من الله الآب بشفاعة مار يوحنا المعمدان أن يجعلنا شهودًا لنور المسيح في هذا العالم. آمين.

إعداد الخوري حنا عبود

تضع لنا الكنيسة نص زيارة العذراء مريم لنسيبتها إليصابات. هذه الزيارة هي نتيجة كلام الله حيث تحرّكت العذراء مسرعة، مستعدة لحمل الذي في أحشائها إلى نسيبتها إليصابات. يحرّكها الفرح الذي أفاضه عليها الله. فلم تكن لا مبالية تجاه كلمة الله وتجاه نسيبتها بل عرفت أنّ الذي يحمل يسوع لا يمكن أن يبقيه لنفسه بل عليه نقله إلى الآخرين. لهذا سمّاها آباء الكنيسة "تابوت العهد" هذه الصفة هي إحدى عناصر طلبة العذراء.
إنّ فرح العذراء هذا أتى من الرب فهي لا تملك شيئًا ماديًا ليعطيها الفرح بل تمسّكت برجائها بالله لأن يُرسل المخلّص. فبالرغم من كل ما تسائلت عنه ولم تستطع أن تستوعبه عرفت أن تحافظ على إيمانها بفرح. فالبابا بندكتوس السادس عشر يقول: "ليس هناك من قرار خلقي أو فكرة عظيمة، بل لقاء حدث، لقاء شخصي يمنح الحياة أفقًا جديدة، ومن ثم توجيهًا حاسمًا".
هذا اللقاء مع الله يتحوّل إلى صداقة سعيدة، تجعلنا إنسانيين، نسمح لله أن يقودنا، نصبح محرّرين أمام حاجات الآخرين، وهذا ما شاهدناه في لقاء العذراء بإليصابات: حمل المسيح، حمل السلام والفرح، خدمة مجانية.
نحن الذين نحمل المسيح، ماذا نحمل للآخرين؟ ماذا نحمل عندما نكون مع الآخرين في مجالسنا؟ علينا أن نحمل السلام والمصالحة، علينا أن نكون رجال ونساء سلام في وسط الكراهية التي في مجتمعنا وعائلاتنا.
فالبابا فرنسيس يقول: "إنه أمرٌ سيء ومرض متفشٍ في كنيستنا وعائلاتنا: زرع الانقسام والكراهية. المسيحيون هم مدعوون لأن يكونوا مثل يسوع الذي أتى ليحقق السلام بدمه على الصليب".
لنبتعد عن خلق الشائعات فهي أشبه بحرب صغيرة. فالبابا فرنسيس يقول: "إنّ النميمة هي عمل إرهابي لأن من يثرثر هو أشبه بالإرهابي الذي يُلقي قنبلة ويُدمّر". فالبابا فرنسيس يدعونا إلى أن "نعضّ لساننا في كل مرة نبدأ بالتكلم بالسوء على الآخرين".
لنسعَ دائمًا إخوتي وأخواتي الأحباء بشفاعة العذراء مريم أن ننعش إيماننا العامل بالمحبة والخدمة وأن نقوم بلفتات صغيرة لها قيمة كبيرة في عيني الرب فنكون بذلك شهودًا ورسلاً لمحبة الله لنا. آمين.

إعداد الخوري جان مورا
نَختَتِمُ في هذا اليوم السنَةَ اليوبيليَّةَ للرَّحمَةِ وتَنغَلِقُ معها أبوابَ الرحمةِ في الكاتدرائيَّات والكنائس على أن لا تنغلقُ أبدًا أبوابَ قلوبِنا أمام رحمَة الآبِ السماوِيّ الّذي يدعونا دائِمًا لحملِ رَحمَتِهِ وتَجسيدِها بأعمالِ رَحمَةٍ روحيَّةٍ وجَسَديَّة تجاه الآخرين...
ومع احتفالِنا اليومَ أيضًا بأحدِ بشارةِ العذراءِ مريم، وبِدايَةِ زَمَنِ الميلادِ المجيد، زَمَنِ البِشارات، هل نَحنُ، على مثالِ أمِّنا مريَم، مُستعِدّون أنْ نُهيِّىء أنْفُسَنا بِروحِ التَّواضُعِ والثِقَةِ، وراغِبينَ بالنِّعمَةِ لِقَبولِ دَعوَةِ الربِّ، بأنْ نقولَ "نَعَم" مِنْ جيلٍ الى جيلٍ لِعَيشِ أعمالِ هذه الرَّحمَةِ الروحيَّة والجسَديَّة على السَّواء، فنَمتَلىء نِعَمًا سماويَّةً لنا ولأمواتنا؟
وفي هذا السِياق، لا بدَّ من التقدُّم بِالشُّكرِ الجزيل من لجنةِ الثراث الإهدني على إحيائها، اليَوم، الذَبيحة الإلهيَّة المملوءة مراحم لراحةِ نُفوسِ جَميعِ الموتى المنقطعين المدفونين في باحةِ وحولَ كنيسة مار يوحنَّا المعمدان، وذلك بمناسبة الذِكرى المِئَويَّةِ الأولى للمجاعة ومَوتِ الآلافِ من المؤمنين جرَّاء الحرب العالميَّة الأولى والجراء والأوْبِئة التي ألمَّتْ حينَها بلبنان، ولا سيَّما بجبل لبنان. وعليه، فإنَّنا نضَعُ أمامَ أعيُنِكم ما كتَبَهُ صاحبُ السيادة المطران بولس آميل سعادة، رئيس هذه اللّجنة المذكورة آنفًا، السامي الإحترام، في مقدِّمة الكتاب الخاصّ بهذه المناسبة الجليلة:
"قدْ تكونُ الحَرْبُ العالميةُ الأولى (1914 - 1918)، وما شَهِدَتْهُ منْ أحداثٍ جِسام، أخْطرَ ما مَرَّ على لبنانَ خِلالَ تاريخِهِ الطَّويل. وَأعْنِي بِلُبنان، لبنان المُتَصرِّفيَّة الَّذي حُرِمَ مِنْ نِظامِهِ، وَمِنِ امْتِيازاتِه، إثرَ نُشُوبِ الحَرْب. وَأُخْضِعَ لِسِياسَةٍ مُتَمادِيَةٍ في الجَوْرِ مِنْ قِبلِ جَمالِ باشا، قائِدِ الجَيشِ الرّابع، في الجَيشِ العُثْمانِيّ. كانَ لها أثَرُها المُدَمِّر على مُقَوِّماتِ الاقْتِصادِ اللُّبْنانِي، ما شلَّ قُدرَةَ اللبنانِيّين على الإنتاج، كمَا طالَما كان دَأبُهُم.
وَمَا لمْ يَأتِ علَيهِ الإنْكِماشُ الاقتِصادِيُّ المُرْتَسِمُ على أرْضِ الواقِعِ المُتَدَهْوِر، أَكْمَلَ عليْهِ الجَرادُ الَّذي اجْتاحَ المَحاصِيلَ الزِراعيَّة، وَغزَا البِلاد، وِبِخاصَّةٍ مَناطِقَها الساحِليَّة، وَالوُسْطَى، مُخَلِّفاً القِحْطَ وَاليَباس، مُتَسبِّبًا بِمَجاعَةٍ غَيرِ مَسبوقَة شَمَلَتْ كافَّةَ نَواحِي جَبلِ لبنانَ القَدِيم. وَقَدْ نَجحَ أسْلافُنَا في زَغَرتا وَإهدِنْ، بِما أوْتُوا مِنْ بَأسٍ وَعَزيمَة، في تَأمِينَ الشَّيءَ الكَثيرَ مِنْ حاجاتِهِم إلى القَمْحِ في زغرتا، وَحاجَةِ نازِحِيِّ المَجاعَةِ المُتَدفِّقِينَ إلَيْهَا، مِنْ خِلالِ القَوافِلِ التي قادَهَا، بِشجاعَةٍ نادِرَة، سَركيس نَعُّوم، وَرِفاقُهُ الأشِدّاء، ما بَينَ زَغَرْتا وَالمِنْيَة. رغمَ كُلِّ ما جابَهَ هذِهِ القَوافِلَ مَنْ مَخاطِر، وَمَصاعِب، وَمَوانِع. وَاعْتَمَدوا على إهدِن الَّتي حالَ طَقْسُها الجَبَلِيّ البارِد دونَ غَزْوِ الجَرادَ لمحاصيلِها، فَأغْنَوا مَخزُونَهُم منَ القَمْحِ، وَمِنْ سائِرِ الضَرُورات الغِذائِيَّة. وَقدْ بَذَلوا كُلَّ ما في وِسْعِهِم لِلنَجاةِ بِأنْفُسِهِم، وَلإنْقاذِ مَنِ اسْتَطاعُوا إنْقاذَهُ مِنَ المُشَرَّدين، مِنْ بَلاءِ المَجاعَةِ، أوّلاً، ثمَّ، مِنْ شَرِّ الأوْبِئَةِ الَّتي لمْ تَتأخَّرُ في الإنْتِشارِ، وَفي حَصْدِ الضَحايا. وَقَدْ راعُوا الطقوسَ الدِينيَّة، وَهُمْ يُصَلُّونَ على الآلافِ مِمَّنْ دُفِنُوا في المَحلَّةِ المَعروفَةِ بـ «مَرُّوشِ بو حَبيب» (كَرَم)، حَيثُ كَنيسَة مار يوحَنّا، وَمُحِيطها، حالِيًا. وَخَصُّوهُم بِالصَلاةِ يَومًا بِيَوْمٍ، وَجِيلاً بَعدَ جِيل. لا سِيَّما، جِيل المِحْنَة. وَأخَذَنا عنْهُم نَحنُ ما دَرَجُوا عَلَيه. وَنُريدُ لِلأجْيالِ الطالِعَةِ أن تأخُذُهُ عَنَّا. فقدْ طَواهُمُ تُرابُنا، كَمَا طَوَى أجْدادَنا وَآباءَنا. لأنْفُسِهِم جَمِيعًا أوْسَعُ الرَّحَمات". (المطران بولس إميل سعاده، مطران أبرشيّة البترون سابقًا، زغرتا في 20 / 11 / 2016)

إعداد الخوري إسطفان فرنجية
يتدخل الله في حياة زكريا وإليصابات... فيرفع العار ويرد الفرح.
الله هو مصدر كل فرح، هو مصدر كل عطاء. الله يعطي زكريا وإليصابات طفلاً وهما شيخان طاعنان في السن: "ما من أمر مستحيل عند الله"، "ويكون لك فرح وابتهاج ويفرح بمولده كثيرون". وقد علّمنا يسوع أنّ "الفرح هو في العطاء أكثر من الأخذ" (رسل 20/35).
وكما مجّدت إليصابات الرب بسبب ما صنعه لها هو الذي نظر إليها "ليُزيل العار عني من بين الناس!" كذلك نحن أيضًا علينا أن نمجّد الله لأنه أعطانا ابنه الوحيد يسوع المسيح، وتمجيدنا لله هو أن نكون على مثاله محبين للعطاء والعطاء بفرح: "الله يحب من يُعطي بفرح" (2كور 9/7). الرب يقدّر بطريقة خاصة الذي يفرح لسعادة الآخر.
الحسد أو الغيرة هو الحزن للغير الذي يحصل عليه الآخرون مما يدل على أننا لسنا مهتمين بسعادة الآخرين، لأننا نركّز بشكل حصري على المصلحة الذاتية. في حين أنّ الحب يُخرجنا من ذواتنا، ويقودنا الحسد إلى التركيز على الـ"أنا".
ويقول قداسة البابا فرنسيس في رسالته "فرح الحب" في إطار شرحه كلام بولس الرسول "المحبة لا تحسد": "الحب الحقيقي يقدّر نجاحات الآخرين. ولا يعتبرها كأنها تهديد، ويتحرّر من طعم الحسد المر. يقبل أن يكون لكل شخص مواهب مختلفة وطرق متعددة في الحياة. ويحرص بالتالي على اكتشاف طريقه الخاص ليكون سعيدًا، تاركًا الآخرين يجدونها هم أيضًا" (عدد 95).
إذًا لنفرح بعطاء الله لإليصابات ولزكريا ولكل عائلة ولكل إنسان ولندرك أنّ الله يغمرنا بعطاءاته، فهل نراها وندركها؟ أنظر إلينا يا رب كما نظرت إلى إليصابات وزكريا وأزِل الغيرة والحسد من قلوبنا لنرى خلاصك وفرحك ونعمك ولنكون علامة فرح للآخرين ونفرح لفرح الآخرين. آمين.

بداية سنة طقسية جديدة وماذا بعد؟

المطران بولس عبدالساتر

صغارًا، نطلب من الرب ان يمرِّر الزمن سريعًا حتى نكبر لنصير قادرين ولتصير حياتنا أسهل.
كبارًا، نطلب من الرب ان يوقِفَ الزمن حتى نبقى صغارًا لنصير قادرين ولتصير حياتنا أسهل.
 ويحتار الرب في أمرنا!
نقضي اليوم نشتاق الى الأمس الذي مضى، ونتمنى لو اننا نستطيع ان نستعيده، ونتحسَّر على انتهائه.
ونقضي اليوم نتوق الى الغدِ الذي لم يأتِ بعد، نحلمُ بما سنعيشه فيه ونعمله، ونعاهد النفس ألا نضيِّعه.
ويسأل الرب: متى يعيش الإنسان أعظمَ هباتي؟ متى يعيش اليوم؟
نَهتمُّ لأن نربح المزيد من الوقت لنتمَّ المزيد.  اخترعنا الآلات والأدوات وما زال الوقت ينقُصُنا، أكثرَ من قَبل!
اجدادنا ما كان عندهم ما عندنا من آلات وأدوات، ولم ينقصهم الوقت ليصلّوا وليُساعدوا وليرَوا جمالَ الكون!
ويتساءل الرب: أين المُعضلة، أفي الوقت أَم في الأولويات؟
نقول: لمَ يَطولُ الزمن في الحزنِ ويَقصُرُ في الفرح وليس العكس؟
ويُجيب الرب: اليست الساعة ساعةً في وقت الحزن وفي وقت الفرح؟ عِشها يا إنسانُ ساعةً!

بداية سنة طقسية جديدة والزمن يمرّ، وماذا بعد؟

إعداد الخوري يوحنا مخلوف
ثقافة الرحمة هي ثقافة العهد الجديد... إنه النَفَس الجديد الذي أطلقه "وجه رحمة الآب يسوع المسيح" على أرضنا بحيث أضحت الرحمة نهجًا انتهجه الرسل في بشارتهم وأصبح ملازمًا لرسالة الكنيسة.
الرحمة لم تعد جوابًا آنيًا مؤقتًا من الآب على حاجات خليقته التي "تئن وتتمخّض" بل تحوّلت إلى شخص حي، شخص حاضر ليلاً ونهارًا بقرب صورته التي خرجت من رحم الآب، ليعبّر عن هذه الرحمة المتجدّدة أبدًا ما دام الإنسان موجودًا على هذه الأرض.
يسوع وجه رحمة الآب الحاضر فينا، يعطينا الحياة، يمنحنا النِعم، يتصالح معنا، يُصغي إلى أنيننا، يفرح بابتهالاتنا، يشفي أمراضنا ويضمِّد جراحاتنا، يُشبع جوعنا ويروي عطشنا، ويفكّ أسرنا، ويتألَّم لألمنا، ويفرح لفرحنا... إنّه التماهي الكامل من خلال اتحاده ببشريتنا.
يسوع الذي لا يعرف إلاّ العطاء وعطاءاته من أجلنا حملته إلى الارتفاع على الصليب، يطلب منا اليوم أن نلتفت إليه ونشعر بحضوره في مَن نتقاسم معهم هذه الحياة. يسوع الذي أطعم الألوف من الجياع يشحذ منا أن نقاسمه رغيف خبزنا. يسوع الذي أسقى من ينبوع رحمته الفياضة نفوسنا العطشى إليه يشحذ منا أن نسقيه كأس ماء بارد. يسوع الذي شفى أمراضنا وضمّد جراحاتنا، يشحذ منا مداواته وتضميد جراحاته. يسوع الذي فكّ أسرنا برحمته وحطّم العداوة بيننا وبين الله وحرّرنا من كل عبودية، يشحذ منا أن نساهم في تحريره لا بل في تحرير مَن يتضامن معه في سجن ضعفه وفي ظلمة انحداره ليرفعه إليه. يسوع الحاضر فينا، حاضر في جميعنا، حتى في الضعفاء والمجرَّبين!
أعمال الرحمة التي يطلبها منّا الرب أعمال بسيطة وسهلة، لا يحمّلنا بواسطتها أثقالاً لا نستطيع أن نحملها، فهل نلبّي نداءاته ونقوم بالمبادرة في خدمة الآخرين أم نبقى منكفئين؟
وتبقى لنا القديسة تريزيا الطفل يسوع المثل الحي لهذا الالتزام بهذا النهج الذي أطلقه المعلّم الإلهي.

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا
فُتِح قلبُ وحيد الآب فانفتح بيتُ أبيه أمام الجميع. أصلحنا بموته و"الإصلاح كالحب؛ يقول القديس أغوسطينوس، إنه يبغي إيصال الإنسان إلى الحياة السعيدة، ويزداد حبًا كلّما ازداد رغبةً في إصلاحه".
المسيح الفادي أصلحنا حبًا بنا. أعارنا كل انتباهه، فأفرغ ذاته متواضعًا وشابهنا بكل شيء ما عدا الخطيئة، لا بل أحبنا حبًا لا مثيل له فجاد بذاته فوق الصليب ذبيحة فداء عن خطايانا. أحبّنا حتى الموت، الموت على الصليب.
نعم، إنّ الإصلاح شكل من أشكال الحب. وفي هذا الإطار، يقدّم لنا القديس أغوسطينوس مثلاً ملؤه الحكمة إذ يقول "... تصوّر ولدًا غوغائيًا وفوضويًا يحيا حياة تؤدي به إلى الهلاك؛ ومع ذلك فأبوه يتساهل معه مخافة أن يصدمه بقساوة النظام؛ ألا يقسو عليه في ذاك التساهل؟ إنّ من يغري يمالق لكي يبيع؛ والأب يعاقب بلطف لكي يصلح..." نحن أعضاء بعضنا لبعض، عائلة كبرى مدعوة أن تستفيد من موت الرب فتشهد له ولرحمته لتبلغ معاينة وجهه فتتحد به إلى الأبد "أدخلوا، رثوا ملك السماء المعد لكم من قبل أساسات العالم". دعوتنا أن نخلص لا أن نهلك أو نُطرَد من بيت الآب السماوي إلى الظلمة البرانية.
إخوتي، أخواتي...
السبل المؤدية إلى الهلاك رحبة وعديدة وواسعة. أمّا سبيل الخلاص فضيق لا يخلُ من الصعوبة ويتطلّب الاجتهاد. يقول المثل الشعبي "الحِمِلْ عَل الأجاويد بيهون" هنا تكمن أهمية الحياة المشتركة والجماعة المُخلّصة أي الكنيسة (الكنيسة هي شعب الله، لا بل الخليقة كلّها وليس الإكليروس والمكرّسون فقط).
يقول أغوسطينوس: "إن أحببنا الله فلا يسعنا أن نستهين بدعوته إيانا إلى محبة القريب". ويتابع قائلاً: "وإن أحببنا القريب بالروح والقداسة، فلسنا نحب فيه سوى الله..." وبعد أن يعطي مثال المحبة المسيح يتابع أيضًا... "وعلى هذا النحو فإنّ الطبيب يحب مريضه حبًا صحيحًا. إنه لا يحب فيه سوى العافية التي يريد أن يبعثها فيه، ولا يحب المرض وقد جاء ليخلّصه منه... إزرع هذه المحبة تعش بسلام، أحبّ ولن يسعك إلاّ أن تعمل الخير. ولكنك قد تضطّر إلى التوبيخ. وبدافع من المحبة توبّخ... لأنّ حب المحبة لا يسمح لك بأن تتجاهل الفوضى". يا للحكمة! محبة الإصلاح حبًا بالخلاص. قاوِم لتُصلح. بولس في رسالته التي سمعناها اليوم يوصي قائلاً: "أيها الإخوة، إن وقع أحدٌ في فخ الخطيئة، فأصلحوه أنتم الروحيين بروح الوداعة. وحذار أنت من نفسك لئلاّ تجرَّب أنت أيضًا..." وفي السياق عينه، يقول عالِم الروح القديس أغوسطينوس: "أصلح بروح من الصبر، متأملاً في نفسك، لئلاّ تُجرَّب. لا شيء يحمل الإنسان على الرحمة كالتفكير بهلاكه الشخصي. ولذلك فاسهر بمحبة وفطنة حين تضطرك الضرورة إلى أن توبّخ واحدًا آخر... ففكر بأنّك إنسان وقد كان ممكنًا لك السقوط فيها".
إخوتي، أخواتي،
كل واحد منا هو عطية للآخر. هكذا يقوم شعب الله، هكذا نصبح جماعة، هكذا تقوم الجمعيات وتتطوّر. هكذا تنجح البلديات، هكذا تنمو الأخويات، هكذا تُبنى الجماعة الكهنوتية وتنتعش الأديار ويصبح "كبيركم خادمكم حانيًا على الصغير، ساهرًا على المريض، صبورًا على الضعيف، راحمًا الخاطئ. "من منا بلا خطيئة فليرجم الحجر الأول..." ولنعمل بوصية بولس "ليحمل بعضكم أثقال بعض وأتِمّوا هكذا شريعة المسيح، ولنعمل الخير دون ملل..."
إرحمني يا الله، أنا الخاطئ. طهّر شفتيّ لتخبر برحمتك. ليّن قلبي لأكون أخًا لا مُدينًا. إشملني بعفوك، بصلوات الكلية الطوبى، الفائقة القداسة، الدائمة البتولية والدة الإله مريم. لك المجد إلى الأبد. آمين.

الصفحة 8 من 34