wrapper

رأي و فكر

إعداد الخوري يوحنا مخلوف
"أتت الساعة"! إنّها اللحظة الخلاصية التي طالما انتظرتها الشعوب. في لوحة الشعانين، تتكشّف ملامح يسوع الملك "المشيحا" الداخل منتصرًا إلى أورشليم. وأي ملك يأتي "راكبًا على جحش ابن أتان"؟ إنّها الدلالة الواضحة لمن يُحسِن قراءة علامات الرب حول هوية هذا الملك؛ فلو كان ملكًا بشريًا أرضيًا آتيًا ليخلِّص شعبه من ظلم الرومان لدخل أورشليم على ظهر حصان كما كانت عادة ملوك تلك الأيام!
هذه الإشارة التي قصدها المعلِّم الإلهي حول "المشيحا" الملك السماوي لم يستطع شعب العهد القديم ولا حتى تلاميذه حسن قراءتها؛ هؤلاء الذين "لم يفهموا أول الأمر... ولكنهم تذكروا بعدما مُجِّد يسوع". إنّها القيامة التي أضاءت بأنوارها الباهرة على الرسل والتلاميذ فأدركوا بعدما استناروا بالروح القدس قراءة علامات المخلِّص الموعود الذي دخل في مثل هذا اليوم أورشليم الأرضية ضمن موكب شعب الله، ليقود فيما بعد مواكب العهد الجديد في مسيرة تصاعدية نحو أورشليم العليا، إلى تلك الأرض الجديدة والسماء الجديدة للمشاركة في عرس الحمل.
"هوشعنا! تبارك الآتي باسم الرب!"
بهذا الهتاف كان يبارك كهنة العهد القديم رؤساء المواكب الصاعدين إلى العيد، إلى هيكل أورشليم، إنها عبارة رؤيوية يتحقّق معناها في يسوع الآتي، المكلَّف برسالة خلاصية. إنه المُرسَل من لدن الآب ليُعرِّف شعبه على حقيقة أبيه فيتصالحوا معه ويقودهم إليه. إنه الملك الآتي ليملك على قلوب البشر فيحوّلها إلى قلوب موشّحة بالله.
"أتت الساعة".
الساعة بحسب يوحنا الإنجيلي هي ساعة "ظهور مجد يسوع الإلهي". إنّها الساعة التي اعتبرها يوحنا هدف سرّ التجسّد وسرّ الفداء لأنّها تدلّ على ساعة الصلب، الساعة التي حدّدها الآب ذاته لابنه ليُظْهِر مجده بواسطة الصليب الذي تجلّى عليه وبلغ غايته بالقيامة.
يحملنا هذا المشهد الإنجيلي إلى الدخول في موكب الفرح والرجاء المسيحي الذي نعيشه في الأسبوع العظيم، أسبوع الآلام، فلا نكتفي بأن نضمّ أصواتنا إلى أصوات الأطفال والرضّع في تسبيح الآتي باسم الرب بل أن نعمل مشيئته في حياتنا من خلال توبة صادقة لنتابع مسيرتنا ضمن موكب القائم من الموت باتجاه الآب فتكون لنا الحياة الأبدية.

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا
إخوتي، أخواتي، أحبائي بالمسيح، سوف أحاول وإيّاكم النظر إلى نص طيما برطيما أي أعمى أريحا من خلال بعض الآيات في المزمور 119 من كتاب المزامير في العهد القديم. أجمل ما في هذه المحاولة أن أقرأ حياتي وأحداثها من خلال كلام الله الذي هو "مصباح لقدميّ ونور لسبيلي" (مز 119/105).
1- لصيق التراب:
يخبرنا مرقس البشير أنّ الأعمى كان جالسًا على قارعة الطريق. إنّه جالس على التراب يستعطي أي يشحذ لقمة عيشه. وكلنا نذكر كيف أنّ الابن الشاطر كان يستعطي لقمة عيشه في حظيرة الخنازير. وكيف كان أليعازر المطروح على الأرض أمام باب الغني يشتهي أن يأكل الفتات المتساقط عن مائدة الغني...
الأعمى مطروح على قارعة الطريق يتسوّل لقمة عيشه ولا يستطيع أن يرى ولكنه شغّل حواسه الباقية بالأخص السمع والنطق لكي يعرف أنّ هناك من يمرّ به فيبدأ بالدعاء وقول كلمات بغية تحريك قلب المار فيعطف عليه ويعطيه مما تجود عليه يده. ونحن إخوتي، أخواتي، نردّد مع صاحب المزامير "لقد لصقت بالتراب نفسي فأحييني بحسب كلمتك..." (مز 119/25). في وسط تجاربي وفي تفاقم الخطيئة من حولي، أناديك وأناجيك أنا اللصيق بالتراب أن ترفع نفسي وتحييني بحسب كلمتك. فكلام الله يرفع من الحضيض وكلمتك مصباح لخطانا ونور لسبيلنا من دونها تتملّك علينا وفينا رغائبنا، نزواتنا وشهواتنا وتجعلنا فريسة الكبرياء والجهل فنشبه الابن الشاطر أو ما يعرف بالابن الجاهل والخطيئة تعمي البصيرة. لذا يقول بولس في رسالة اليوم: "أجل إننا نحيا حياة بشرية ولكننا لا نجاهد جهادًا بشريًا، وليس سلاح جهادنا بشريًا، لكنه قادر على هدم... كل كبرياء تحول دون معرفة الله..." (2قورنتس 10/3-4). طالما نحن نحيا زمن النعمة والتوبة أي زمن الصوم المبارك لا ندعنّ إعاقتنا وضعفنا وخطيئتنا تبقينا لصقاء التراب ولكن فلنستعين بأعمال التقوى والرحمة والصلاة ولنصرخ في صلاتنا كالأعمى للقربان الأقدس "يا ابن الله الحامل خطايا العالم، إرحمنا".
2- يسوع يدعو الأعمى:
حاول البعض إسكات الأعمى. لكنه ظل يصرخ سائلاً ومتوسلاً رحمة الزائر المميز على طريق أريحا. يسوع الزائر المميز يضع حدًا ويقول "أدعوه"... فقالوا له: "تشدّد وقم، فإنّه يدعوك..." كلمات تستوجب منا وقفة تأملية. فمن منّا اختبر الخطيئة والوحدة والذل، فليسمع النداء: "تشدّد، قم فإنّه يدعوك". فُتِح باب اللقاء والتواصل بين الأعمى ويسوع. ألقى الأعمى عنه رداءه ووثب وجاء إلى يسوع. دعاه يسوع فترك كل شيء مسرعًا يلبّي الدعوة، هل نفسي مستعدة أن تتخلّى عمّا يعيقها وأن تسرع لتلاقي يسوع؟
3- "كلمتك رجائي": (مزمور 119/114):
ماذا تريد؟ سؤال يسوع يفسح للأعمى أن يعبّر عن حاجته. يتعامل معه كإنسان عاقل وحرّ ومسؤول. لم تَقِفْ الإعاقة أو النقص حاجزًا: "رابّوني أن أبصر" جاوب الأعمى وأفصح عن حاجته. وها صاحب المزمور 119 يفصح عن حاجة كل منا: "إفتح عيناي فأبصر عجائب شريعتك" (مز 119/18). نريد أن نرى رغم نقصنا وعجزنا ما لا نستطيعه لوحدنا "فكلمتك رجائي يا سيدي!" وكما يقول المرنّم أيضًا: "أحبّك يا ربّ، يا قوّتي، يا مخلّصي، من العُنف خلّصني... لأنّك أنت توقد سراجي، إلهي أنر ظلمتي" (مز 18/2 و29).
4- إيمانك خلّصك... تبعه في الطريق:
هذا الأعمى، لصيق التراب، الشحاذ المزعج... ناداه الرب، كلّمه، خاطبه وأقامه من التراب. ترك الأعمى كل شيء، سأله أن يرى فكان له ما يريد. فسار الدرب تابعًا يسوع!!!
وأنا؟؟؟ أعمى بشكل أو آخر، ألاصق التراب بشكل أو آخر، يدعوني الرب، أتأخر أحيانًا، وأقبل أخرى وربما أتردّد كثيرًا أمام صراخ هذا العالم ومغرياته ومتطلّبات نفسي وكبريائي، وغضبي وحقدي ونزعة السلطة والأنانية وحب المال وما شابه... تعالوا نستعين بكلمات المزمور 119 قائلين "أحييني يا ربّ بحسب كلمتك" (مز 119/107). "إفتح عيناي، فأبصر عجائب شريعتك" (مز 119/18). "فكلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي" (مز 119/105). نعم إنّ كلمة الله ترفع من الحضيض، تشدّد، تقوّي، تنير، فأسير بسلام قائلاً: "إنّي اخترت طريق الحق، امتثلت لأحكامك" (مز 119/30). "وفي طريق وصاياك أرقد لأنّك تشرح قلبي" (مز 119/32). يقول مرقس عن الأعمى: "فألقى عنه رداءه ووثب وجاء إلى يسوع... فأبصر من وقته وتبعه في الطريق". لأنّ "الله طريقه كامل". (مز 18/31) لا بل هو "الطريق والحق والحياة". إنّه الحبيب المخلص يسوع الحاضر معنا في القربان الأقدس له الشكر على الدوام آمين.
تعالوا نسير وراءه في الطريق من خلال هذا الصوم فتنفتح عيوننا على حدث الخلاص والفداء أي موت الرب وقيامته.

إعداد الخوري يوسف بركات
هون، بي بيت بطرس، بلّشت كنيسة المسيح. بي هالكنيسة صار الشفاء للمخلع. وبي هالكنيسة كان إيمان الأربع أشخاص صادق وقوي. بي هالكنيسة غفر سيّدنا يسوع المسيح الخطايا. وبي هالكنيسة حمل المخلّع فرشتو ومشي. كل هالأعمال تا تدل عا حضور الرب بي كنيستو. وحضور سيدنا يسوع المسيح بي بيت بطرس كان تا حتى يشفي النفس أولاً، ومن بعدا يشفي الجسد. وإذا كان الرب شفى نفس المخلع بالأول هيدا لأنو النفس أفضل من الجسد، وشفاء الجسد مَنّو إلاّ طريق لشفاء النفس. وشفاء التنين مع بعض هوي دليل على إنّو الرب يسوع خلق الإنسان من جديد.
صحيح إنّو مرض الجسد صعب، بس الأصعب مِنّو هوي مرض النفس اللي بيستبعد الله وبيستعبد الإنسان لأنّو بيقتل فيه شوقو لألله.
كلنا معرضين للخطية، بس نحنا مدعوّين للقداسة. وسيدنا يسوع المسيح هوي حاضر بالكنيسة تا حتى يشفينا. كتار اللي بيجو عالكنيسة تا حتى يفتشوا عن الحقيقة، وفي أشخاص بيبرمو عا شي تا حتى يهاجموها. والكنيسة بتستقبل إيمان هودي وانتقادات هوديك، بس الأهم هوّي إنّو هالكنيسة تقدّم يسوع للعالم والعالم ليسوع، وهيدي هيّي رسالتا.
أسئلة بتنطرح علينا نحنا أبناء الكنيسة:
- هل عم نساعد كل إنسان محتاج لمعرفة الحقيقة بيسوع المسيح؟
- هل عم ندل عالرب بكل عمل عم نعملو؟
- هل عم نحط إيدينا بي إيدين بعض تا نعمل أعمال رحمة بي رعيّتنا؟
- هل عم نصلّي عا نيّة كل خاطي تا حتى يتوب؟
في كتير أشخاص ما بيقدروا يوصلوا لعند الرب يسوع من دون مساعدتنا نحنا كنيسة الرب. خلّونا نكون متل هالـ4 أشخاص اللي جنّدوا حالن تا يوصّلوا المخلع لعند الرب ونحمل بي قلوبنا كل الضالّين تا يرجعوا لربّن؟

إعداد الخوري بول مرقص الدويهي
اختار أن يبتعد عن البيت الوالدي وسار في طريق الشر الذي قاده إلى الذلّ: حياة الطيش أوصلته إلى أن يشتهي أكل الخنازير. رجع إلى نفسه. فحص ضميره. راجع ذاته فاكتشف ما خسره بسبب الابتعاد عن بيته وعلم أنّه غير أهل لأن يكون ابنًا لأبيه. حينئذ قام وعاد فكانت المفاجأة: إنّ والده ينتظره. وبدل أن يعاتبه عانقه وقبّله. وبدل أن يدينه ويحكم عليه تحنّن عليه وأعاده إلى حالته الأولى. وبدل العقاب كان الاحتفال بالولادة الجديدة. ما أعظم رحمتك يا رب وما أجمل حنانك: إنّ محبتك للإنسان لا حدود لها. مبارك أنت يا رب.
إخوتي، أخواتي،
كل واحد وواحدة منا يبتعد مثل الابن الضال عن الله. كل واحد وواحدة منا مدعو إلى مراجعة ذاته وفحص ضميره. كل واحد وواحدة منا مدعو إلى أن يقوم ويعود إلى الآب السماوي ويطلب رحمته في سر التوبة، سر الغفران، سر الاعتراف برحمة الله قبل الإقرار بخطايانا.
إنّ الله ينتظرنا ويريد خلاصنا فلما الاستهتار بهذا السر؟ لماذا نجد دائمًا الأعذار لكي لا ننهل من نبع الرحمة الإلهية؟ فمنا من يبرّر ذاته باعتراف ذاتي بينه وبين الله ومنّا من يعتبر أنّ تكراره لخطاياه يمنعه من التقدم من سر التوبة ومنّا من يخجل من الإقرار بخطاياه أمام الكاهن.
إخوتي، أخواتي،
لماذا نلجأ إلى الأطباء لمعالجة آلامنا الجسدية والنفسية ولا نلجأ إلى الله من خلال الكاهن لمعالجة آلامنا الروحية؟
لماذا نخجل ممن يداوي الروح ولا نخجل ممن يداوي الجسد أو النفس؟ إنّ الخطيئة مرض الروح والكاهن، بالرغم من ضعفه، طبيب الروح. إنّ المسيح يغفر خطايانا بواسطة الكاهن الذي يحلّنا من خطايانا وينقل لنا محبة الله ومغفرته. إنّ سر الاعتراف هو لقاء مع يسوع الذي ينتظرنا ويتقبّلنا كما نحن (البابا فرنسيس). ولا يجب أن ننسى أنّ الله مستعد دائمًا لمغفرة خطايانا إذا تبنا عنها "أكثر من استعداد أم لإنقاذ ولدها من النار" (الخوري أرس).
إخوتي، أخواتي،
ليعطنا الرب جميعًا، بشفاعة مار يوسف البار الصدّيق حارس الفادي الذي امتاز بصمته وتتميمه إرادة الله في كل مراحل حياته، أن نعرفه معرفة أفضل، ونحبه محبة أكثر ونتبعه بثبات أقوى. لنطلب منه أن يغسل آثامنا، أن يغسلنا فنبيضّ أكثر من الثلج. لنلتمس دائمًا محبته وغفرانه غير المحدود. لنعده بأن نناضل في سبيل حياة جديدة ترضيه. آمين.

إعداد الخوري حنا عبود
تضع لنا الكنيسة اليوم إنجيل شفاء النازفة التي تتألق بإيمانها وشجاعتها. إنها المرأة التي شفاها يسوع من نزيف الدم. دنت من ورائه لمست طرف ثوبه فشفيت. هذه المرأة مدفوعة بإيمان كبير بالرب يسوع وبإيمانها تجاوزت كل الشروط المنصوص عليها في شريعة موسى والتي أبعدتها عن الحياة الليتورجية في الهيكل ومن الحياة الزوجية وحتى من العلاقات الطبيعية مع الآخرين.
هذا الإيمان جعلها تشعر بأنّ يسوع بإمكانه أن يخلّصها من المرض ومن حالة التهميش والإهانة التي كانت تعاني منها منذ سنوات. فبهذا الخصوص يقول البابا فرنسيس إنّ "إهانة الآخرين أصبحت عندنا مثل كلمة صباح الخير". ويضيف فيقول: "أرجوكم لا تهينوا الآخرين، فإنكم بهذا لا ترجون شيئًا، فالإهانة هي بمثابة القتل..."
هذه المرأة تُعرف بالنازفة، تُعرف بمرضها. فكثير من الأحيان ننادي الناس بصفاتهم عندما تُلفظ أسماؤهم أمامنا: هذا السارق أو الزاني أو...
أما نظرة يسوع فهي تختلف عن نظراتنا ونظرات كل البشر فهي أمامه ولم يعاتبها ولم ينعتها بمرضها أو خطيئتها... فالمرأة كانت تتمنى يسوع في أعماق نفسها الذي لا يعرف ما فيها إلاّ هو وحده. فيسوع اعتبرها مستحقة لهذا اللقاء معه. فيسوع يحرّرنا من مرضنا ومن التمييز الاجتماعي الذي يستعبدنا والتمييز الديني الذي يجعلنا أصوليين في تفكيرنا وأقوالنا ورفض الآخرين...
فكلمة يسوع هي التي وهبتها الخلاص وليس رداءه. مقابل نزف المرأة وشجاعة إيمانها هناك بالمقابل نزف دم الشهداء الذين كان لهم شجاعة الإيمان. لهذا قرّر مجمع كنيستنا المارونية المنعقد بين 10 و18 حزيران 2015 إعلان سنة 2017 سنة الشهداء في الكنيسة المارونية والتي بدأت نهار عيد مار مارون 2017 وتختتم نهار عيد القديس يوحنا مارون 2 آذار 2018. والهدف هو أن نتذكر شهداؤنا المعروفين ولاسيما رهبان مار مارون الشهداء 350 والشهداء المسابكيون الموارنة الثلاثة والبطاركة دانيال الحدشيتي وجبرايل حجولا وغيرهم... هؤلاء كان لهم شجاعة بذل دمائهم من أجل الثبات على الإيمان بالمسيح الذي بذل دمه من أجلنا.
فالبابا القديس يوحنا بولس الثاني يقول إنّ "الكنيسة الأولى ولدت من دم الشهداء ويجب على كل كنيسة ألاّ تنسى إيمان شهدائها وثباتهم في الإيمان...
إخوتي الأحباء، فلتكن لنا شجاعة المرأة النازفة والشهداء، لنثبت بإيماننا في وجه مجتمع كل شيء فيه مباح وبمتناول أيدينا وكما يقول البابا بندكتوس السادس عشر: "أصبحت الفضيلة رذيلة والرذيلة فضيلة" ولنؤمن إيمانًا ثابتًا أنّ المسيح هو الشافي والمخلّص الوحيد. آمين.

إعداد الخوري جان مورا
في الأحدِ الثانِي مِنْ زَمَنِ الصَّوْمِ المُبارَك، نَتَأمّل مَشْهَدَ شِفاءِ الأبْرَص. مَضَى إلَيْهِ يَسوع، فَجاءَ هوَ إلى لِقائِهِ وَسَجَدَ لَهُ. إذا كانَ البَرَصُ أكْبَرُ شَرٍّ عَرَفَهُ مُعاصِرو بولُسَ الرَّسول، فالخَطيئَةُ لا تَقُلُّ عَنْهُ شَرًّا، وَلا سِيَّما إذا أخَذَتْ تَتَسَـلَّطُ عَلَيْنا.
  وَأمامَ هذا المَرَضِ الخَطير الذي لا يُبْعِدُ المَريضَ عَنِ ٱلجَماعَةِ بِسَببِ العَدْوَى، بَلْ يَطْرُدُهُ لأنَّهُ صارَ نَجِسًا بِنَظَرِ الشَّريعَة... تَبْقَى صَرْخَةُ الإيمان: "يا رَبّ، إنْ شِئتَ فَأنتَ قادِرٌ أنْ تُطَهِّرَني".
زَمَنُ الصَّوْمِ هوَ زَمَنُ ٱلشِّفاء...! شِفاءٌ مِنَ المَرَضِ بِحَيْثُ يُصْبِحُ شَأنَهُ شَأن كُلّ شَيء في حَياتِنا، مُناسَبَة ٱرْتِقاء إلى الله. وَشِفاءٌ مِنْ كُلِّ مَنْ يَسْتَعْبِدُنا في مَسيرَتِنا إلى الله. ليصرخْ كُلٌ مِنَّا إلى الله معَ داود: "إغسِلني كَثيراً مِنْ إثمي، وَمِنَ الخَطيئَةِ طَهِّرني..." (من المزمور 50)

فَفِي رِسالَتِهِ إلى أهلِ روما، يُشَدِّدُ بولسُ الرَّسول على خَلْعِ الإنسانِ العَتيقِ وَلَبْسِ الإنسانِ الجَدِيد، وذلك بالمَوتِ عنِ الخَطيئةِ لِلحَياةِ معَ المَسيح... منْ أجْلِ هذا، يَجبُ على المُؤْمنِ أن يَعتبِرَ أنَّهُ ماتَ عنِ الخَطِيئَةِ وَهوَ يَحيَا الله، يَحيَا في المَسِيح إذ ماتَ مَعَهُ وَهوَ قامَ مَعَهُ للحياة الجَديدة... لِذلِكَ من الضّروري:
- رفضُ اسْتِعْمالِ الجَسَدِ لِلخَطِيئَة: فبعدَ أنْ ماتَ عنِ الإنسانِ العَتيق، عليهِ اتِّباعِ ثلاثَ خطواتٍ رَئِيسيَّة...: الأولى تتضَمَّنُ رَفْضَ العَودَةِ إلى الوَراءِ لِلإنقِيادِ إلى شهَواتِ الجَسَد؛ الثّانية تَتَضَمَّنُ رَفْضَ الخَطِيئَة؛ والثّالثة تَنتَهي بِتَقدِمَةِ الذَّاتِ للهِ الحَيِّ بَدلَ تَقدِمَتِهِ لِمَوتِ الشَّهَوات.
- قُبُولُ النِّعْمَة: عندما خرجَ الإنْسانُ مِنْ حُكْمِ الشَّريعَةِ الَّتِي كانَتْ تَسُودُه، ودَخلَ في حالَةِ النِّعمَةِ الَّتي تُحْيِيهِ لِيُصْبِحَ جَديدًا، لَمْ يَعُدْ في حالَةِ خَوْف... بَل أصبَحَ في حالَةِ قُبُولٍ لِلنِّعْمَةِ الَّتي تُساعِدُهُ لِيُسَيْطِرَ على الخَطيئَة... فَقُبُولُ النِّعْمَةِ يُحَرِّرُ منْ سُلطانِ الخَطيئَةِ الَّتي تُميت، ويَربُطُ بِالبِرِّ الذي هُوَ الإنْتِسابُ إلى اللهِ الَّذي يُحْيِي الجَميع.
- التّحرر: التّحَرُّرُ ليسَ التَّفَلُّت مِنْ كُلِّ القُيُود... إنَّهُ تَرْكُ السَّيِّد الذي يَقودُ إلى المَوْت، وَاخْتِيار السَّيِّد الذي يَهَبُ الحَياةَ بِالقَداسَة. إنّهُ تَركُ خِدمَةِ الدَّنَس لِلإنصِرافِ إلى خِدمَةِ القَداسَة... فالحُرُّ هُوَ مُقَدَّسٌ لأنَّهُ يَنتَمي إلى المَسيح...
    ونحن أيُّها الأخوةُ والأخوات:
- كَيفَ نَرفضُ إسْتِعمالَ جَسَدِنا لِلخَطيئة؟ هَل نَتَعَلّق بإنسانِنَا العَتِيق فَنَرفُضُ التّجَدُّدَ بلَمْسَةِ المَسيح المُحْيِيَة؟ هَل نَفهَمُ عَظمَةَ مُبادرَةِ اللهِ تِجاهَنا إذْ أرسَلَ ابْنَهُ إلينا لِنَحْيَا؟ هَل نُقَدِّرُ قيمَةَ أنْفُسِنا بِالنِّسبَةِ للهِ الَّذي أحَبَّنا أوّلاً؟ أمْ نَنظُرَ إلى ماضِينَا وَنَسْجُنُ أنْفُسَنا فيهِ فَنَنعَزِلَ عنِ الآخَر ونَنقطِعَ عنِ الله؟ إلى مَن نُقَدِّم ذواتنا؟ هَل نُقَدِّمها للحياة مع الله؟ أم للموت في الخَطيئَة؟
- هَل نقبل النّعمة التي هي من الله؟ كَيف نفهمها وَنَتَقَبَّلها في قلوبنا؟ هل نقبلها فنشعر من خلالها بحضور الله الدّائِم في كل لحظة من حياتنا؟ أم نضعها جانبًا فَنُخرِج الله من حياتنا ونَعيش لذواتِنا؟
- كَيفَ نَتَحَرَّر؟ هَل نَجرؤُ على تَركِ خِدْمَةِ المَوتِ لِنَختارُ خدْمَةَ الحَياة؟ هل نتَحرَّرُ بِاحْتِرامِنا الحياة ورَفَض ثقافَةِ المَوت، الَّتي تَتجَلَّى في كَثيرٍ مِنْ مَجَالاتِ حَياتِنا اليَوم؟ هَل نَشعُرُ بِانْتِمائِنا الفِعْلِيّ لِلمَسِيح؟ أمْ نَتَناسَى هذا الإنْتِماءَ وَنَتَفَلَّتُ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ لِنَغرَقَ في انعِزال ووحْشَةِ خَطيئَتِنا؟

إعداد الخوري إسطفان فرنجية
غدًا يبدأ الصوم الكبير. غدًا نتوجّه إلى الكنائس لنذر الرماد على جباهنا علامة التوبة، علامة الشعور بثقل خطايانا، علامة شعورنا ببعدنا عن طريق الرب يسوع، علامة شعورنا بالقرف والملل والفراغ في حياةٍ بعيدة عن الله. غدًا سنسمع من فم الكاهن: "أذكر يا إنسان أنّك تراب وإلى التراب ستعود". إنها الحقيقة الثابتة التي نعيشها كل يوم عندما نفقد عزيزًا أو صديقًا أو قريبًا.
لنكن صادقين في توبتنا، لنشعر بخطايانا أولاً، لنفكّر بالأحقاد الساكنة في قلوبنا، لنبعد عنا روح الانتقام الذي يبعدنا عن الله.
كم نردّد في قلوبنا أو في العلن عندما نختلف مع أحد: "لازم يدفع التمن"، "الله كبير"، "الله ما عندو حجار"، هذه المفردات ليست موجودة في فكر الله الذي كشفه لنا يسوع.
يقول قداسة البابا فرنسيس: "إنّ كل هذه الحروب التي نقرأ عنها في الصحف وكل تلك المجازر التي تُرتَكَب بحق الأطفال تنمّ عن مدى حجم الكراهية!! إنها الكراهية عينها التي نحملها في قلوبنا تجاه قريب ما... إنها الكراهية عينها ولكن بحجم أكبر".
إذا أردتَ أن تعيش مسيحيًا صادقًا مع ربّك ومع الناس ومع ذاتك: أطرد الكراهية من حياتك، وافتح بابك للغفران وللمسامحة، افتح بابك للحب والسلام. أعطِ سمعك لله، دعه يكلّمك لتسير في درب الكمال وفق مشيئة الرب يسوع: "كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل".
لنصلّي من أجل من يؤذينا بكلامه، بتصرّفاته، من يجرحنا، من يكرهنا كي تتغيّر حياتنا وحياته، ليسامحنا الله ويسامحه، لأننا نحن أيضًا نخطئ إلى الله وإلى الناس. "ما في حدا معصوم عن الغلط".
"الصلاة دواء الكراهية والحروب التي تبدأ في المنزل وفي العائلات. إنّ الصلاة قوية تهزم الشر وتمنح السلام" يقول البابا فرنسيس.

إعداد الخوري يوحنا مخلوف
في الأسبوع الثالث من أسابيع التذكارات الثلاث يحضّرنا يسوع من خلال هذا المثل للدخول في زمن الصوم المبارك واضعًا أمامنا أجوبة عن حقيقة ومصير حياتنا. لا بدّ لنا من التوقف على أبعادها ومضامينها علّها تكون لنا بمثابة "الفرصة المنبّهة" كوننا في هذا العالم ولكننا لا ننتمي إليه!
 
الحقيقة الأولى: الدينونة
الإنسان هو المسبِّب الوحيد لدينونته لأنّ "يسوع لم يأتِ ليدين العالم بل ليحيي العالم!" الدينونة من خلال خياراتي الحرّة، خياراتي السرابية التي تتحوّل فيّ بعد ترك الجسد إلى حرقة وعذاب... بينما الاستفادة من "الفرصة المنبّهة" يحملني إلى حضن الآب لأنني من رحم الآب خرجت وإلى رحم الآب أعود.
الغني خسر الحضن الأمومي للآب ليس لأنه غني إنما لأن الرب طَرَقَ بابه بواسطة لعازر ولم يعرف الاستفادة من "لحظة النعمة الحاضرة" التي فيها يَظهر يسوع أنه الشحاذ الذي يشحذ منا الدخول في مشروعه الخلاصي... كما يعلّمنا بطلنا الروحي يوسف بك كرم.

الحقيقة الثانية: اتساع الهوة
يتوقف السعي إلى الخلاص بعد تركنا للجسد، وهذا واضح من توسّل الغني الشاحذ الرحمة من ابراهيم! في عالم الله تنقلب المفاهيم: الأولون يصبحون آخرين والآخرين أولون... من جائع مريض يشحذ الرحمة في هذا العالم إلى غني يشحذ الخلاص والرحمة في عالم الله.

الحقيقة الثالثة: الإنسان يبقى حيث يكون قلبه
اكتفاء الغني بنيل خيرات هذه الدنيا والتنعم بها "نلت خيراتك" وكأنه سيبقى فيها، والحقيقة أنّ الله حقّق رغبته هذه من خلال دفنه في الأرض التي أحب، بينما لعازار الذي "قبل بلاياه" هو يتعزّى بعد تعرّية من جسده وقروحه وحمله من قبل الملائكة إلى حضن ابراهيم.

الحقيقة الرابعة: رسالة رؤيوية
"عندهم موسى والأنبياء، فليسمعوا لهم" رسالة مدوّية يطلقها النبي ابراهيم لمن "لهم آذانًا ولا يسمعون"، لمن يعيشون في هذا العالم وكأنهم باقين فيه إلى الأبد مقتنعين بكذبة الديمومة في عالم مصيره الاضمحلال.

الحقيقة الخامسة: "رسالة تحدٍ"
يطلقها الله على لسان ابراهيم: "ولو قام واحد من الأموات..." إشارة إلى قيامة ابنه من الموت رسالة موجّهة إلينا لتوقظ فينا الوعي إلى "حقيقة كوننا في العالم ولكننا لا ننتمي إليه"، رسالة موجّهة إلينا على أبواب زمن الصوم حتى نعرف بأنّ زمن الصوم هو زمن الموت والحياة، الموت عن كل ما يشدّنا إلى هذا العالم لنتحرّر منه، والحياة من خلال سيرنا على دروب القيامة مستفيدين من زمن التوبة هذا، "زمن الفرصة المنبّهة" و"لحظة النعمة الحاضرة".

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا
نحتفل بأحد الأبرار والصدّيقين لكي نؤكّد ونتذكّر أنّ دعوتنا هي القداسة بعمل الخير والصلاح والشراكة مع المحتاج والمتألّم لأنّه علينا أن نكون رحماء كما أنّ أبانا السماوي رحيم هو أيضًا. ونحن من خلال هذا الأحد نؤكّد ونوطّد شراكتنا مع كنيسة الله الممجّدة.
إخوتي، أخواتي،
"إنّ آلام هذا الدهر لا تُقاس بالمجد الذي سيتجلّى فينا" (رو 8/18) "فنحن هيكل الله الحي" (2كور 6/16) ننتظر، أقوياء في الإيمان، "الرجاء السعيد وتجلّي مجد إلهنا ومخلّصنا العظيم يسوع المسيح" (تيط 2/13) "الذي سيحوّل جسدنا المتلبِّس بالهوان جسدًا شبيهًا بجسده الملتحِف بالمجد" (فيلبي 3/21). وهكذا، ففي انتظار مجيء الربّ في جلاله وموكب الملائكة جميعًا (متى 25/31) ليحرز الغلبة الأخيرة ويعلن الحكم الأخير، يواصلُ بعضٌ من تلاميذه رِحلتَهم على الأرض، ويكون بعضهم، وقد أدركهم الموت، يتطهّرون، ويكون بعضهم في المجد يشاهدون الله الواحد الأحد المثلث الأقانيم، كما هو، في كمال النور. هذه هي حقيقة كنيسة الله التي تحج نحو بيت الآب السماوي بحسب ما وعد الرب يسوع أتباعه.
إنها كنيسة الأرض المجاهدة وكنيسة ما بعد الموت المتألّمة وكنيسة القديسين والقديسات الممجّدة. هذه الفئات الثلاث تؤلّف وحدة متماسكة رأسها المسيح الفادي والمخلّص. هذه الشراكة القائمة في داخل جسد المسيح بين الأحياء والموتى وجميع الرسل والقديسين ترقى إلى الجيل الأول من تلاميذ المسيح الذين أحاطوا تذكارات الرب يسوع والأم البتول والدة الله مريم وأجساد الشهداء والرسل و... بأفضل تكريم سائلين معونتهم لنا في جهادنا وحجنا على وجه هذه الفانية. تتجلّى هذه الشراكة والمحبة المتبادلة اليوم، أحد الأبرار والصديقين، في القداس الإلهي، إذ نُشيدُ بفرح مشترك بحمد الجلال الإلهي ونكرّم الفائقة القداسة والدة الله مريم ويوسف خطيبها وجميع الأنبياء والرسل والشهداء والقديسين والقديسات.
يحثنا هذا الأحد لكي نتذكّر دعوتنا العمادية كما تقول الرسالة إلى العبرانيين "لا نريد أن تكونوا متكاسلين، بل أن تقتدوا بالذين يؤمنون ويصبرون، فيرثون ما وعد الله" (عب 6/12). إذًا، إنّ طريقنا إلى قُدس الأقداس بدم يسوع طريقًا جديدًا حيًا فتحه لنا في جسده" (عب 10/19) والله الذي وعد أمين.

أنا ابن مارون الناسك (+ 410) الذي قدَّم الرب يسوع على خيرات الدنيا، واعتزل في البرية يصلي ويحمل مع مخلِّصه خطيئة العالم !

أنا من جماعة يوحنا مارون (+ 707) الراهب القائد الذي قضى العمر يبني كنيسة المسيح في الشرق، ويقوي اخوته ويشجِّعهم على السير في درب الحب حتى النهاية، حتى الاستشهاد !

أنا من رفاق البطاركة القديسين الذين عاشوا متنقِّلين ما بين المغاور وفي الوديان، في ايام القيظ وفي ليالي الصقيع حتى لا يتنَكَّروا لمن احبَّهم واختارهم منذ ان تَكوَّنوا في أحشاء امهاتهم !

أنا ابن دانيال الحدشيتي (1278-1282) الذي لم يهرب من الموت فشهد لحقيقة السيد المنتصر على الموت ! وأنا من اتباع جبرائيل حجولا (1357-1367) الذي قدَّم ذاته ليُحرقَ حُبًا بمن علَّقوه على خشبة وأَوقدوا النار من تحته !

أنا من تلامذة جرجس عميره الإهدني (1633-1644) واسطفانوس الدويهي الإهدني (1670-1704) اللذين اضاءا ظلام الجهل والكفر بمعارفهما وبقداستهما، وكانا منارتين يهديان الناس في الشرق والغرب الى يسوع نور العالم ومخلِّصه !

أنا من كنيسة الياس الحويك (1898-1931) الذي اختار الإنسان على البنيان، فرهن املاك الكنيسة ليُطعم كلَّ الجائعين، وناهض الظلم، وعمل لبلدِ "رسالة" !

أنا ماروني من لبنان ! وأَعِدُ أن أبقى أمينًا لتاريخ آبائي ولدعوتي في هذا الشرق!
المطران بولس عبدالساتر

الصفحة 10 من 38