wrapper

"أذكروا مُرشِديكم الذين خاطبوكم بكلام الله، واعتًبِروا بِحياتِهِم ومَوتِهِم واقتَدُوا بإيمانهم" (عب 13/7)

إعداد الخوري يوحنا مخلوف
في الأسبوع الأول من أسابيع التذكارات الثلاث، تذكّرنا الكنيسة بأهمية التواصل بيننا وبين من سبقونا إلى دنيا الخلود بعد أن نقلوا إلينا نعمة الانتماء إلى المسيح وإلى كنيسته من خلال أسرار الكنيسة السبعة والتبشير بالكلمة.
نتذكّر آباءنا (تسعة بطاركة، ستة وأربعين أسقف، مئات الكهنة والرهبان والنساك...)، هذا الكم الذاخر الذي أغنى الكنيسة والوطن، بلاد المشرق وأوروبا في ظروف تاريخية صعبة تخلّلها الاضطهاد والملاحقة والتهجير حتى الاستشهاد حيث نتلمّس نعمة الروح القدس الفعّال في مسيرتهم التبشيرية والتعليمية، فلم يستسلموا لظلم حاكم إنّما كان هذا الظلم بمثابة حافز لهم بحسب قول الرسول بولس: "أنا قوي بالذي يقوّيني".
كنيستنا المارونية انطلقت من الاضطهاد ونمت في التهجير، وانتشر أعضاؤها من خلال الاستشهاد.
كانوا السباقين في فصل زؤان الهرطقات عن قمح إيمانها القويم، بواسطتهم أتت الإرساليات إلى لبنان وبلاد المشرق بهدف البشارة والتعليم، ودخلت أولى المطابع إلى دير مار أنطونيوس – قزحيا سنة 1610، وشيّدت الأديار وارتفعت الكنائس ودقّت الأجراس وذلك بحكمة قيادتهم، وتوزّعت الحالة النسكية بين شقوق الصخور وكهوف الأرض محدِّدة هوية كنيستنا النسكية، وبين جدران دير مورت مورا نظّم البطريرك الدويهي الحالة الرهبانية سنة 1695، وأُسِّسَت المدارس النظامية ابتداءً من سنة 1696 مع المطران جرجس عبيد، وثبّتوا هوية كنيستنا المارونية بانتمائها إلى الكنيسة الكاثوليكية الأم، وعملوا على حسم تدخل الأعيان في الشؤون الكنسية. كما ساهم الأب جبرائيل الصهيوني بإمكانية قراءة الكتاب المقدس على كل لسان. ومن بين أيديهم، خرجت أوّل رتبة للقداس الماروني مع المطران جرجس عميرة وأوّل قاموس للغة المسيح، اللغة السريانية. واغتنت كنيستنا مع الدويهي الكبير بما وضعه من المصنّفات الليتورجية والتاريخية والفلسفية واللاهوتية والطقسية... مشكّلة المكتبة المارونية التي منها ينهل حتى اليوم كل من أراد التوسّع في هذه المصنّفات... علّموا الملوك (الصهيوني والجمري) ودوّنوا الاتفاقيات بين الإمارة اللبنانية وأوروبا والكرسي الرسولي ونظام الامتيازات بين لبنان والسلطنة العثمانية. كما ساهموا في النهضتين الأوروبية والمشرقية من خلال مد جسور التواصل اللغوي والفكري، فكانوا روّادًا في حوار الحضارات...
كتبوا في الكهوف وشقوق الأرض والمقابر "مكتفين بضوء القمر"... فساهموا في إغناء كنيستنا ومأسستها واضعين المداميك الأولى لهويتها الفكرية والرسولية والنسكية.
فكيف لنا أن ننساهم؟ نتذكّرهم في هذا الأسبوع، لا بل نتذكّر أعمالهم ونِتَاجهم وجهدهم في ترسيخ هذه الجماعة المارونية التي أرادها المخلِّص علامة لحضوره ومنارة لجميع الأمم وشاهدة للصمود عبر التحديات. فمنهم نأخذ القوة ومن ذخائرهم نستمدّ الثبات وبشفاعة صلواتهم نستمرّ من خلال هذه الشراكة بيننا وبينهم لكي يُنعشوا ذاكرتنا بعطاءاتهم الفيّاضة حتى نكون أوفياء لهذا الإرث الذي تركوه لنا.

Read 266 times