wrapper

"لِنَسهَر وَنَصْحُ"!.. فَمَنْ مِنَّا يَستطيعُ حِفْظَ نَفسِهِ مِنَ المَوْت؟

إعداد الخوري جان مورا
في الأحَدِ الثالِثِ مِنْ آحادِ التَذكارات، تَدعُونَا الكَنِيسَةُ لِكَيْ نَتَذكَّر وَنَذْكُرُ كُلَّ المَوتَى المُؤْمِنينَ الَّذينَ نَعْرِفُهُم أوْ لا نَعْرِفُهُم، وَهُمُ الَّذينَ انْتَقَلوا مِنْ بَيْنِنَا. وَفِيهِ تُذَكِّرُنا الكَنِيسَةُ مِنْ خِلالِ رِسالَةِ مار بُولُسَ بِوُجوبِ الاسْتِعدادِ الدائِم:"إذًا فلا نَنَمْ كسائِرِ الناس، بَلْ لِنَسهَرْ وَنَصْحُ..."، لأنَّ الإنْسانَ مُعَرَّضٌ في كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ حَياتِهِ لأنْ تَنْتَهي حَياتُهُ الأرْضِيَّةُ الآنِيَةُ المَحْدودَةُ لِيَدخُلَ في حَياةٍ أبَديَّةٍ غَيْرِ مَحْدُودَة، خارجَ مَحْدوديَّةِ المَكانِ وَالزمان.
   هذا الإسْتِعدادُ يَتِمُّ عَبْرَ أعْمالِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ تِجاهَ الأخْوَةِ، الَّتِي تَجعَلُ مِنَ الإنْسانِ مُسْتَحِقًّا الدُخُولَ إلى بَيتِ الآب. وَهذا ما لَمْ يَفْعَلْهُ الغَنِيُّ كَمَا نَرَى مِنْ خلالِ قِراءَةِ الإنْجِيل.
  لِنَقِفِ اليَومَ وَقفةَ تَأمُّلٍ في هذِهِ الحَياةِ وَنِتاجِها لأنَّهُ "ماذا يَنْفَعُ الإنْسانُ لَوْ رَبِحَ العالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَه؟" وَلْنَأخُذْ عِبْرَةً مِنْ كَثيرٍ مِنَ الرِجالِ العِظامِ الَّذينَ آمَنُوا بِاليَومِ الآخَرِ وَبِهَشاشَةِ الحَياةِ البَشريَّةِ، وَبِأنْ لا أحَدَ يَأخُذُ مَعَهُ شَيئَا إلا الأعْمالَ الصالِحَة. وَأوْصُوا بِأنْ تُخْرَجَ أيْدِيَهُم مِنَ النَّعْشِ أمامَ الناسِ لِيَعْرفِوُا أنَّهُم لَمْ يَأخُذُوا شَيْئًا مادِيًّا مَعَهُم.
أيُّها الأخوة والأخوات المُباركين! مَنْ مِنَّا يَستطيعُ حِفْظَ نَفْسِهِ مِنَ المَوْت؟ لعازار؟ إبْنُ أَرْمَلةِ نائِين؟ إبْنَةُ يائِيرُوس؟ آباؤُنا، أمَّهاتُنا؟ أغْنِياؤُنا أمْ فُقَراؤُنا؟ أطفالُنا أمْ شَبيبَتُنا؟ الجَميعُ عاجِزٌ عَنْ ذلِكَ!
نتيجَةً لِهَذا العَجْزِ، يُضْحِي هذا المَنْطِقُ خارِجَ نِطاقِ التَّداوُلِ لِيُصبِحَ المَطلوبُ الإسْتِعدادَ لاسْتِقبالِ المَوْت،"لأنَّكُمْ تَعلَمونَ جيِّدًا أنَّ يَومَ الرّبِّ يَأتي كالسارِقِ لَيلا". ولكِنْ لا نَنْسى أبَدًا:" فَإنَّ اللهَ لَمْ يَجعَلنا للغَضَب، بلْ لإحرازِ الخلاصِ ِبِرَبِّنا يسوع المسيح، الّذي ماتَ مِنْ أجلِنا".
فَهَلْ يُعْقَلْ أنْ يَجْلِسَ إنسانٌ بِانْتِظارِ مَوْتِهِ؟ نَحْنُ نُراقِبُ العاداتِ الشَعْبيَّةَ الشائِعَةَ الَّتِي جَعَلَتِ المَوْتَ بُكاءً وَنَحِيبًا وَعَويلاً... هذِهِ العاداتُ الَّتِي، في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ، تُخَدِّرُ عَقلَنَا وَإيمانَنَا وَتَجعَلَنا أسْرَى عَواطِفَنَا وَأحاسِيسَنا، فَنَظُنُّ بِأنَّنا نَستطيعُ الهَرَبَ مِنَ المَوْتِ أوْ تَجاهُلَهُ... وَلكِنْ، كُلَّمَا هَرَبْنَا كُلَّمَا لَحِقَ بِنَا. فَالإنْطِلاقُ إلى الأمام، بِحَدِّ ذاتِهِ هُوَ إنْطلاقٌ بِاتِّجاهِهِ وَهُوَ بِمَثابةِ تَحقيقِ فِعْلِ وِلادَةٍ وَلَيسَ العَكْس... فإذا كانَتِ الحَياةُ هيَ الإطار المُناسِب لاسْتقبالِ المَوْت، فالإطارُ المُناسِبُ لِلحَياةِ هُوَ مَسيرَةُ الإنْسانِ نَحْوَ المَوْتِ المُحْيِي، إذْ أَنَّهُ لولا المَوْتَ لَكانَتِ الحَياةُ مَوْتًا أبَدِيًّا، فَلَولا المَوْتَ هَلْ يَكونُ لِلحَياةِ مِنْ مَعْنَى؟ وَلولا الحَياةَ الأبَدِيَّةَ هَلْ كانَ للمَوْتِ مِنْ مَعْنَى ؟
لِهذا يُطالِعُنا مار بولسُ بِالدَّعْوَةِ إلى السَّهَرِ وَالانْتِباهِ حَتَّى لا نَتَفاجَأْ بِالمَوْت، وذلكَ بِالتَّسَلُّحِ بِلِبسِ "دِرعِ الإيمانِ والمحبَّة" وَوَضْعِ "خوذَةِ رَجاءِ الخَلاص"، " لِنَحْيا معَهُ (المسيح) ساهِرينَ كُنَّا أمْ نائِمين". وهكذا يَجْدُرُ بِالمُؤْمِنِ المَسِيحِيِّ أنْ يَنْظُرَ إلى رِسالَتِه، إلى وَزْنَتِهِ، إلى مَسْؤُولِيَّتِهِ وَأنْ يَكونَ مِنْ أبْناءِ النُّور، فَيَعيشَ النَّهارَ وَيَعيشَ اللَّيْلَ، يُعْطِي نُورَهُ لِلنّاسِ وَيَتضَامَنُ مَعَهُم في ظلْمَتِهِم، في مَآسِيهِم، في مَصائِبِهِم..."فَلذلكَ شَجِّعُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلْيَبْنِ الواحدُ الآخَر..." وَالبُنْيانُ يَتطلَّبُ جُهْدًا أَكْبَر إلا أنَّهُ يُعْطِي فَرَحًا وَسَعادَةً أعْظَم، خاصَّةً أنَّهُ مَجْبُولٌ بِسَلامِ الرَبّ!

Read 158 times