wrapper

رسالة المطران جوزيف نفّاع بمناسبة عيد مار مارون

عاش القدّيس مارون في حقبة زمنيّة تملؤها الاضطرابات على مختلف أنواعها. لم تقتصر الصعوبات حينها على الاضطهادات من قبل أعداء الكنيسة، وكانوا يومها كثر، بل حتى انّ المجتمع المسيحيّ نفسه عانى ما عاناه من الانشقاقات والفساد الاجتماعي والأخلاقي. الصراع على السلطة جعل المؤمنين يتهاونون في الحفاظ على ثوابتهم الروحيّة وحتّى الأخلاقيّة أحيانًا. أمام هذه الفوضى والأجواء المشحونة، ارتأى الشاب مارون، وهو ما يزال في مقتبل العمر، أن يبتعد عن كلّ ذلك الفساد. اختار العزلة، لينعم بالسلام مع الله وليتمكّن من الحفاظ على الإيمان السليم الذي ورثه عن أهله.
وأصبح مارون ناسكًا على قمّة أعلى جبل في بلاده. هناك في العراء، اختار الله ليكون كنز قلبه الأوحد. عاش في سكينة الصلاة، متّبعًا أثر المعلّم الإلهيّ. وكان يعتقد، لا بل يخطّط أن يقضي العمر بعيدًا عن كلّ شيء. إلاّ أنً السلام الذي عاشه مارون في القفر جذب إليه قلوب مجموعة متزايدة من الشباب والصبايا، فضّلوا، هم أيضًا، قفر مارون القشف ولكن المنغمس في سلام المسيح على مدنيّة منغمسة بالبذخ والرفاهيّة، على حساب الضمير والأخلاق. هناك تجمّع أولئك الذين عُرفوا باسم "تلاميذ مار مارون". وذاع صيتهم في كلّ الأرجاء كجماعة، أو بالأحرى كشعب، كنزه ربّه وقوّته وحدته، وميزته تمسّكه بالأخلاق والأصول.
شكّل الموارنة عائلةً حول ذكرى أبيهم القدًيس. ومنه تعلّموا أنّ العائلة هي أساس المجتمع والكنيسة. وأنّ قوّة العائلة هي السلام الذي تعيشه بين مختلف أفرادها. هذا ما جعل من مارون مدرسة حياة ميزتها هي "سلام الربّ" يزرعه أتباعه أينما حلّوا. يكفي أن نزور أديارنا القديمة لنشتمّ من حجارتها عبق القداسة والسلام. وتحلّق الموارنة حول كنائسهم وأديارهم ليعيشوا جميعهم هذه القيم الإنجيليّة. هذا ما دفع الجميع للقول أنّ القديس مارون لم يكن فقط طبيب الأجساد لكثرة عجائبه، بل كان بالأحرى طبيب النفوس بمثله وتعليمه.
العائلة المارونيّة هي ذلك الاكتشاف العظيم الذي قدّمه قدّيسنا للعالم، حتّى باتت مضرب المثل؛ فيُقال عن أي ارتباط قويّ لا ينفكّ أنّه "زيجة مارونيّة". وقيل عن المارونيّ أنّه رجل علم وأخلاق وصلاة. هذا ما جعل الموارنة يثبتون في هذا الشرق طوال هذا الزمن. قوّتهم هي علمهم وأخلاقهم وإيمانهم الراسخ.
كم علينا أن نتذكّر اليوم هذه الحقيقة الكيانيّة، وأن نسمع صوت أبينا مارون مجدّدًا يرشدنا ويعلّمنا هذه الثوابت. يُخطئ من يعتقد أنّ لنا قوّةً غير هذه. ومجنون هو من يستهين بثوابتنا. فهو يحكم على نفسه بالزوال.
علينا في هذا العيد أن نقوم بفحص ضمير عميق حول ما فعلناه بهذا الإرث العظيم. عائلاتنا لم تعد، للأسف، كتلك التي تربينا نحن في كنفها. دخلها الكثير من المفاهيم الغريبة عنّا والتي أدّت إلى ضعفها وتفكّكها. الفرصة أمامنا اليوم أن نعيد حساباتنا وأن نبحث عن مصلحتنا الحقيقيّة. لقد جرّبنا مدارس أخرى وفشلنا. فلنعد إذًا إلى أصالتنا. ولننقل لأولادنا مشعل التميّز الذي ورثناه عن أجدادنا، الفقراء المؤمنين.

Read 288 times