wrapper

كيفَ نعيشُ العنصرةَ في أيّامِنا هذِهِ؟

إعداد الخوري جان مورا
نَحتفِلُ بِعيدِ العَنصَرَةِ الَّذي يَخْتَتمُ الزَّمَنَ الفِصْحِيّ بعدَ خَمسينَ يَوْمًا مِنْ أحدِ القِيامَة. وَيُعتبَرُ عِيدُ العَنصَرَةِ عِيدُ مِيلادِ الكَنِيسَةِ فِي القُدُسِ، أمِّ الكَنائِس كُلِّها، لأنَّها كَنيسَةُ القِيامَةِ وَكَنيسَةُ الرُوحِ القُدُس.  تُعلِّمُ الكَنيسَةُ الأولَى أنَّ المَسيحَ الَّذِي ماتَ وَقامَ وَصَعدَ الى السَّماءِ وَتَمجَّدَ عَنْ يَمينِ الآبِ تَمَّمَ عَمَلَهُ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلَى جَماعَةِ الرُّسُلِ يَومَ العَنْصَرَة (أعمال 2: 23- 32). وعليهِ تُشَكّلُ العَنصَرةُ إكمالَ الفِصْحِ وَالصُعُود. وَيُذَكِّرُنا هذا العيدُ بِحُلولِ الرُوحِ القُدُسِ على الرُسُلِ وَالتَّلاميذِ الآخَرينَ الَّذينَ كانُوا مُجْتَمِعينَ لِلصَّلاةِ مَعَ مَريَم العَذراءِ في العِليَّة (أع 1: 14-15). إنَّ يسوعَ القائمَ منَ المَوتِ وَالذي صَعِدَ الى السَّماءِ أرسَلَ رُوحَهُ الى الكَنيسَةِ لِيَجْعَلَنا نَعيشُ العَنْصَرةَ مِنْ جَديد (أع 2: 1-11)، كَيْ يَتَمكَّنَ كُلُّ مَسِيحِيّ مِنْ مُشارَكَتِهِ حَياته الإلهيَّة، وَيُصْبِحُ شاهِدًا حَقيقيًّا لهُ في العالم.
في عِيدِ العَنصَرةِ، يَقولُ لنَا الكِتابُ المُقَدَّسُ كَيفَ يَجبُ أنْ تَكونُ الجَماعَة، كَيفَ يَجبُ أنْ نَكونَ لِكَيْ نَنالَ هِبَةَ الرُوحِ القُدُسِ وَبِالتّالِي  شُهُودًا وُمُبَشِّرين.
يَذكُرُ الكاتِبُ المُقدَّسُ أنَّ التَلاميذَ "كانُوا مُتَواجِدِينَ كُلُّهُم في مَكانٍ واحِد". هذا "المَكانُ" هُوَ العِليَّةُ، "حَيثُ أقامَ يسوعُ مَعَ تَلاميذِهِ العَشاءَ الأخِيرَ، وَحَيثُ ظهَرَ لَهُم بَعدَ قِيامَتِهِ مِنَ المَوت؛ هذِهِ العِلِيَّةُ باتَتَ "سُدَّةُ" الكَنيسَةِ الناشِئَة (أع 1: 13). ولكِنْ لا يُسَلِّطُ سِفرُ أعْمالِ الرُسُلِ الضَّوْءَ على المَكانِ بِقَدْرِ ما سَلَّطَهُ على حالَةِ التلاميذِ الدَاخِليَّة: "كانُوا مُثابرينَ علَى الصَلاةِ بِقلْبٍ واحِد" (أع 1: 14). وَبالتالي فإنَّ اتِّفاقَ التَلاميذِ هُوَ الشَّرطُ لِكَيْ يأتِي الرُّوحُ القُدُس؛ وَرَكيزَةُ الاتِّفاقِ هِيَ الصَلاة. الجَماعَةُ المُصَلِّيَةُ هِيَ العلامَةُ المُمَيِّزةُ لِلجَماعَةِ المَسيحيَّةِ الأولَى في أعْمالِ الرُسُل.
    وهذا الأمْرُ يَنْطَبقُ أيضًا على كَنيسَةِ اليَومَ. إذا أرَدْنَا ألا يُضْحِي عِيدُ العَنصَرةِ مُجَرَّدَ رُتْبَةٍ وَذِكْرَى، بَلْ أنْ يَكونَ حَدَثَ خَلاصٍ آنِيّ، يَجبُ أنْ نَسْتَعدَّ بِانْتِظارٍ تُقَوِيٍّ لِهِبَةِ الرُوحِ القُدُسِ مِنْ خِلالِ إصْغاءٍ مُتَواضِعٍ وَصامِتٍ لِلكَلِمةِ مُواظِبينَ على تَعليمِ الرُسُلِ وَالشَركةِ وَكَسْرِ الخُبْزِ وَالصّلواتِ على مِثالِ الكَنيسَةِ الناشِئَة. وعلى مِثالِ الرُسُلِ نُؤَدِّي الشَهادَةَ بِقِيامَةِ الرَبِّ يَسوعَ وَنُبَشِّرَ بِهِ بِمُؤازَرَةِ الرُوحِ القُدُسِ الَّذِي امْتَلَأنا مِنْ فَيْضِ نِعْمَتِهِ وَمَواهِبِهِ في سِرِّ التثْبيت. فَعِيدُ العَنصَرةِ تَحَدٌّ كَبيرٌ وَدَعوَةٌ مُلِحَّةٌ مُوَجَهَةٌ إلى كَنيسَة اليَومَ في العالَم.
وَعَليهِ الإيمانُ بِعيدِ العَنصَرةِ يَقتَضِي الشَهادَةَ  وَالتَّبْشيرَ العَلَنِيّ. لا مَجالَ لِلمَسِيحِيِّ أنْ يُفَكِّرَ بِأنَّ الإيمانَ أمْرٌ فَرْدِيّ. الإيمانُ هُوَ القَرارُ بِأنْ نَكونَ معَ الرَبِّ لِنَعيشَ مَعَهُ. وَهَذا "الكِيانُ مَعَهُ" يُدْخِلُنا في تَفَهُّمِ الأسْبابِ الَّتي مِنْ جَرائِها نُؤْمِنُ. الكَنِيسَةُ يَومَ العَنصَرَةِ تُظْهِرُ بِوُضُوحٍ البُعْدَ العَلَنِيَّ لِقَرارِ الإيمانِ وَلِلقِيامِ بِجُرْأةٍ بِإِعلانِ إيمانِنَا الذّاتِيّ لِكُلِّ إنْسان. إنَّ مَوْهِبةَ الرُوحِ القُدُسِ هِيَ الَّتِي تُؤَهِّلُ لِلرِّسالَةِ وَتُقوِّي شَهادَتَنا بِجَعْلِهَا صَريحَةً وَشَجاعَة.
وخيرُ دَليلٍ، على ذلِكَ، اليوم، تَجْربَةُ حَركةِ التَجدُّدِ بِالرُّوحِ القُدُس وأمثالِها في رَعيَّتِنا كَجَماعةِ الحَياةِ بِالرُوحِ القُدُس أوْ جَماعَةِ طَريقِ المَوْعُوظينَ الجَدِيد؛ التَجَدُّدُ بِالرُوحِ القُدُسِ لِمَعرفَةِ وَفَهمِ كَيفِيَّةِ جَذْبِهِم للشَباب. لِقاءاتُهُم المَصْحُوبةُ بِالصَلاةِ وَالتَراتيلِ تَفتَحُ قَلبَ الانسانِ على نعمةِ الربِّ وكلمَتِه. ويُوضِحُ الكاهِنُ الايطالي فولفيو بريشاني ـ المُرتَدّ من الشيوعيَّة الى التبشيرِ بِالمَسيحِ وَالالتِزامِ في بِشارَةِ الكَنِيسَةِ مِنْ خِلالِ حَرَكةِ التَجدُّد ـــ عَمَلَ الرُوحِ القُدُسِ فِينَا بِقَولهِ: "تترَكَّزُ ثَقافَةُ عِيدِ العَنصَرَةِ الَّتِي تَتحَدَّثُ عَنْهَا جَماعَةُ التَجَدُّدِ بِالرُوحِ القُدُسِ على( سِرِّ) التَثْبِيت، لأنَّهُ إذا كانَ الرُوحُ فِينا، يُمْكِنُنا أنْ نُصْبحُ جُنودَ المَسيحِ في خِدمَةِ الكَنِيسَة". تَستنِدُ جاذِبيَّةُ هذِهِ الحَركَةُ على ثلاثةِ عَوامِل: الثِقَةُ بِالكَنِيسَةِ وَالشَغَفُ بِكَلمَةِ اللهِ وَالأسْرارِ المُقَدَّسَة، وَبِالصَّلاةِ المُسْتَمِرَّةِ  وَالفَرِحَة.
فَالتَبشيرُ الجَديدُ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ على ثَقافَةٍ مُتَجَذِّرَةٍ بِعُمقٍ في الإنْجيل: وَذلكَ يَعْنِي اكْتشاف الإنْسانِ الجَديدِ الَّذِي فِينَا بِفَضْلِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي وَهَبهُ لنا الآبُ بِيَسوع.
"كَمَا أنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ كَنِيسَةٌ مِنْ دُونِ عَنْصَرة، كَذلِكَ، مَا مِنْ عَنْصَرةٍ مِنْ دُونِ مَرْيَم" كمَا يَقولُ قَداسَةُ البابا بِندكْتُس. فلا بُدَّ مِنَ المُثابَرةِ على الصَلاةِ مَعَ مَريَم أمِّ يَسوعَ وَأمِّنا (أعمال 1/ 14)، لا سيَّما في شهرِها هذا المكرَّم. فهِيَ الَّتي تَطلُبُ لَنَا بِصَلواتِها عَطِيَّةَ الرُوحِ الَّذِي كانَ حَلَّ عَلَيْها يَومَ البِشَارة.

Read 99 times