wrapper

"لست أنا الحيّ بل المسيح حيٌّ فيّ" (غل 2/20)

إعداد الخوري بطرس القس حنا الصيصا

يا أحبّاء المسيح،
يقول البابا فرنسيس: "الدعوة إلى القداسة": "19- لا يمكن للمسيحي أن يفكّر برسالته على الأرض بدون أن يفهمها كمسيرة قداسة لأنّ "مشيئة الله إنّما هي تقديسكم (1تس 4/3)، كل قديس هو رسالة؛ إنه مشروع للآب لكي يعكس ويجسّد، في مرحلة معيّنة من التاريخ، جانبًا من الإنجيل".
إنّ القديس بولس اختبر عمق الإنجيل وجمالات سرّ المسيح فانجذب إليه حتى صرخ كما سمعنا في رسالته اليوم: "ما كنت أخاله ربحًا عددته خسرانًا من أجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح ربّي".
انجذب بولس حتى العشق فلم يعد يرى ويدرك إلاّ حقيقة واحدة! يسوع المسيح. كل شيء "عدّه كالنفاية ليربح المسيح". من يختبر الحب يختبر التجرّد والخروج من الذات. كما يختبر العطاء والتضحية "كل شي بِحُبَّك بيهون" هكذا نقول عندما نعشق ونحبّ. أدرك بولس أنّ حقيقة قيامة الرب هي ركن الإيمان: "فأعرفه وأعرف قوة قيامته والمشاركة في آلامه فأتمثّل به في موته، لعلّي أبلغ القيامة من بين الأموات..."
كلام بولس ليس كلامًا من أجل الكلام. إنه نابع عن اختبار الهائم والعاشق والمُحِبّ. فهو بحالة سعي دائم ودؤوب يجدّد معرفته بالمسيح كل يوم من خلال التأمل وتقبّل تقلّبات الحياة فيتجدّد فكرًا ومسلكًا ومعتقدًا. حبّ المسيح ليس مجرّد صلوات وعواطف، إنه عملية استئصال يومي فكري حتى تصبح مواضيع إيماننا حقيقة متجذّرة في حياتنا اليومية، مثلاً يموت لنا أحدٌ عزيز نبكي ونلطم ونتلحّف السواد و... فننسى حقيقة القيامة والرجاء. نقضي غالبية ساعاتنا على وسائل التواصل الاجتماعية والهواتف الذكية ونلعب الألعاب ونشاهد... ولا نعطي ربّنا ومجتمعنا وكنيستنا قليلاً من الوقت فكيف لنا أن نلوم ربّنا على مشكل أو مصاب أو فقر أو... ونحن لا نسعى لخلاص نفوسنا. بولس "عدّ كل شيء كالنفاية ليربح المسيح" وبَادَلَ عطاء المسيح بالمسيح: "إن أكلتم أو شربتم أو مهما فعلتم، فافعلوه لمجد الرب يسوع". هكذا استطاع القدّيسون أن يتقبّلوا الآلام والفقر والجوع والاضطهاد ورفض العالم لهم، ولكنهم في النهاية تقدّسوا. "من يصبر إلى المنتهى يخلص".
يقول بولس "لقد قَبَضَ عليّ المسيح". أوف وألف أوف قدّيش منهرب تاما يقبض علينا المسيح تا نعمل لبدنا ياه بعالم الفساد...
يقول البابا فرنسيس في الرسالة عينها: "20- تجد هذه الرسالة معناها الكامل في المسيح ويمكن فهمها فقط انطلاقًا منه. إنّ القداسة في الواقع هي أن نعيش أسرار حياته متّحدين به، وتقوم على اتّحادنا بموت الرب وقيامته بشكل فريد وشخصي، وعلى الموت والقيامة من الموت باستمرار معه... وكل ما عاشه المسيح يجعلنا قادرين أن نعيشه نحن فيه ويعيشه هو فينا".
أمّا في العدد 24 يتابع البابا ويقول: "ليتك تعرف ما هي تلك الكلمة التي يرغب الله في قولها للعالم من خلال حياتك واسمح لذاتك أن تتحوّل، واسمح للروح القدس بأن يجدّدك"... كم هو عميق كلام بولس حين يقول بتواضع جليّ: "ولا أقول أنّني حصلت على ذلك وأدركت الكمال بل أسعى..." الكبرياء يا أحبّاء المسيح يقتل التواضع ويجرح الوداعة ويبعدنا عن القداسة، لذلك يقول البابا في العدد 28: "إنّ الالتزام الذي يحرّكه القلق أو الكبرياء أو حبّ الظهور والسيطرة لن يكون مقدَّسًا بالتأكيد. يكمن التحدي في عيش هبة الذات بحيث يكون للمجهود معنى إنجيلي وتجعلنا نتشبّه أكثر بيسوع المسيح".
إقبل يا ربّ صرختي، أسرِع إلى إغاثتي وارحمني في حياتي على هذه الأرض واعضدني فإنّ عليك اتكالي، فأنا من دونك لا أستطيع أن أعمل شيئًا. فأنت الألف والياء والبداية والنهاية. إنّك ربّي ومخلّصي. فمعك كل شيء مستطاع ومن دونك طعامي يصبح رمادًا. إرحمني يا سيّدي، لك المجد ولأبيك ولروحك القدّوس إلى الأبد. آمين.

Read 115 times