wrapper

كانوا مجتمعين في العلية

المطران جوزيف نفّاع

قام الربّ بمجد عظيم. قام في نصف الليل، فملأ الظلمة نورًا بهيًّا. قام، ولكن لم يره أحد من الرسل. لأنّهم كانوا خائفين هاربين ومرعوبين. لم يتمكّنوا من الصمود معه "ولو ساعةً واحدةً" (متى ٢٦: ٤٠). ضعفهم البشريّ منعهم من أن يثقوا بما قاله لهم سابقًا ولمرّات عديدة. تجّمع الرسل مختبئين في تلك العليّة التي أقام معهم فيها الربّ العشاء الأخير. هناك، خلف الأبواب الموصدة، تجّمعوا، يعزّي واحدهم الآخر ويساندوا بعضهم بعضهم بعضًا. اختاروا العليّة ليتلّمسوا بركة تلك الليلة الفريدة، يوم أسّس لهم إبن الله سرّي الكهنوت والإفخارستيّا.
من هنا نكتشف، أنّه ورغم الضعف والخوف، حافظ الرسل على ركيزتين أساسيّتين للإيمان: كانوا متضامنين سويًّا، ولو في ضعفهم، وكانوا ملتزمين بما أسّسه لهم يسوع، بالأسرار، بالكنيسة. على هاتين الفضيلتين ارتكز الربّ ليعود فيلتقي جماعة الرسل، وليظهر لهم بعد القيامة. على الجماعة التي تحيا الحبّ وتلتزم الأسرار، يتكّل الربّ ليبني عليها كنيسته، وليطلق منها رسالة التبشير إلى العالم أجمع. لو تفرّق الرسل، لما وجدهم يسوع، كجماعة، ولما كان أطلقهم ككنيسة ليبشّروا كلّ الأمم.
يعلّمنا الرسل أنّ المحبّة والإلتزام بالأسرار هما العمودين الأساسيّين للإيمان، يمكننا من خلالهما أن نشاهد الربّ يسوع القائم من الأموات، إذ يظهر لنا إوّلاً من خلال الكنيسة وتعاليمها وأسرارها وسائر احتفالاتها وصلواتها. كما يظهر لنا أيضًا من خلال الأخوة. فهو من قال لنا: "كلّما اجتمع إثنان إو ثلاثة باسمي، أكون أنا بينهم" (متى 18: ٢٠).
في حياتنا اليوميّة نختبر ضعفنا وسقوطنا وصعوبة الإيمان وصعوبة العلاقة إن مع إخوتنا كما ومع رعيتنا، ولأسباب عديدة. وأمام هذا الألم، يسارع الشرير ليغوينا لاتخاذ موقف سلبيّ يقودنا إلى هدم كلّ الجسور "حتى نريح أنفسنا من أيّ مواجهة محتملة". ولكنّ الإنزواء هو العلّة الكبرى، إذ نغلق كلّ المنافذ على النعمة فلا تدخل قلوبنا. يسوع مات عن ضعفنا. إذًا هو يعلم كم نحن فقراء للنعمة. ولكنّه قبلنا كما نحن، ومات عنّا حبًّا بنا. ما يطلبه هو منّا أن لا نستسلم لهذا الضعف الذي فينا وخاصّةً أن لا ننجرف إلى مواقف القطيعة. خطوات الإيمان الأولى، التي تقود كلّ منّا إلى عيش القيامة، هي أن نلتزم برعيّتنا، بالإنتماء إليها، فهي جماعتنا المؤمنة، هي كنيستنا وهي عليّة خلاصنا. وأن نشارك هذه الرعّية كلّ النشاطات الموضوعة كسلّم يعلو بنا، خطوةً خطوةً نحو ملكوت السماء. الجماعة المؤمنة، المتواجدة في الرعيّة، هي العائلة التي من إجل بنيانها، سكب الربّ دمه. ومن أجلها أيضًا حقّق الآب قيامة ابنه من بين الأموات. فلا نضيّعنّ أبدًا كلّ هذا السرّ العظيم. بل لنتمسّك به وبالكنيسة، فهي "سفينة خلاصنا". 

Read 213 times