wrapper

"هل عندكم شيء يؤكل؟"

+ المطران جوزيف نفّاع
أمام حقيقة القيامة وصعوبة تصديقها من قبل الرسل، أصرّ يسوع مرات عديدة أن يقدّم لتلاميذه، ولنا نحن أيضًا من بعدهم، دليلاً يقودنا إلى تصديق هذه الحقيقة الجوهريّة في إيماننا المسيحيّ. ولكنّنا نقف باستغراب أمام تلك الأدلّة المقدّمة من الربّ، خاصّةً في إنجيل اليوم: «هل عندكم شيء يؤكل؟» فهل من خلال الطعام يمكننا أن نؤمن بالقيامة؟
يذهب السواد الأعظم من شرّاح الكتاب المقدّس إلى القول أنّ يسوع، بتناوله الطعام، يثبت أنّه حيّ، لأنّ الأرواح، أو بالأحرى الأشباح، إذا صحّ التعبير، لا تأكل. نعم، هذا الشرح صحيح. إلاّ أنّنا إذا ما تأمّلنا بتفاصيل النصّ، يمكننا فهم درس جديد يقدّمه لنا المعلّم. ما تناوله من طعام مع الرسل له دلالته ورمزيّته: لقد قدّموا له سمكًا وعسلاً. فالسمك كان على زمن يسوع «طعام الفقراء» وعلامة التقشّف والمعاناة؛ ولذلك يأكله الكاثوليك في زمن الصوم. أمّا العسل فهو «طعام الفرح» ورمز العيد ورمز النجاح، فيه حلاوة الحياة.
هذا ما قدّمه لنا يسوع كإثبات على القيامة، أنّه معنا وإلى جانبنا في كلّ ظروف حياتنا، حلوها ومرّها. هو سندنا في المحن وهو سبب فرحنا وعربون نجاحنا. وبهذا نعرف أنّ يسوع حيّ، لأنّه حيّ في حياتنا وفاعل في تاريخنا الشخصيّ. ليس يسوع إلهًا في السماوات، تخبرنا عنه كتب التاريخ أنّه قام من ألفيّ عام، بل إنّ إلهنا قائم اليوم لأنه كلّ يوم يقيمنا وينمّينا.
وزغرتا هي شاهدة بإمتياز على القيامة، لأنّها عاشت طوال تاريخها هذا الاختبار للربّ الحاضر فيها ومعها. لم ترحمنا عاديات الزمان يومًا، بل نلنا من أوصابها الحصّة الكبرى. إتّكل أجدادنا على الله وعلى أمّه العذراء، وضحك أعداؤنا منّا، مستخفين بإلهنا. ولكن الربّ الصادق لم يخلف ميعاده بل حقّق لنا ما أنشده داود في مزاميره قائلاً: «لو لم يكن الربّ معنا، عندما قام الناس علينا، لابتلعونا أحياءً» (مز ١٢٤: ٢-٣).
ومن أتّون الوغى، أردنا أن نلملم أهدابنا. كانت أقصى أحلامنا الصمود. عمل أسلافنا ما بوسعهم ليبقوا. وضعوا كلّ جهدهم بهذا الهدف. والربّ بارك دموعنا وعرق جبيننا، محوّلاً إيّاها إلى نهر بركة وقداسة. من قلب صليبنا خرجنا وأخرجنا للعالم سلسلة من البطاركة والأساقفة، والمكرّسين، والعلماء، والرؤساء والأبطال؛ أعلاما معروفين في الأصقاع الأربعة. منارات حملت اسم إهدن في كلّ مجال. لقد حوّل الربّ تعبنا عسلاً سماويًّا مباركًا. لذلك نهتف كلّ يوم وفي كلّ ظرف، نهتف عن اختبار حقيقيّ معاش صارخين المسيح قام، حقًّا قام ونحن الإهدنيّون شهود على ذلك.
واليوم تخطّ زغرتا صفحةً جديدةً من صفحات شهادتها للربّ القائم من خلال هذا الاحتفال المهيب الذي كرّمنا به صاحب الغبطة البطريرك، مار بشارة بطرس الراعي، الكليّ الطوبى، بأن رقّى الخوري اسطفان فرنجيّة إلى درجة البرديوطيّة، برتبة مونسنيور. واسمحوا لي أن أقول أنّ هذا الإنعام ناله المونسنيور اسطفان، كما المجلس الكهنوتيّ وكلّ زغرتا، عن استحقاق وجدارة. وهذا ما عبّر عنه صاحب الغبطة في كلمته أمام وفد النيابة الذي زاره في الصرح لتهنئته بعيد الفصح. إنّ نيابة إهدن – زغرتا شهدت تطوّرًا وتنظيمًا يُحتذى بهما، بفضل جهود رائعة للأساقفة والكهنة والعلمانيّين الملتزمين فيها، على جميع الصعد الروحيّة والراعويّة والاجتماعيّة والثقافيّة والرياضيّة والفنيّة أيضًا. لم تكتف رعيتنا بالقيام بدورها الروحيّ والراعويّ على أكمل وجه وحسب، بل هي تقف بحقّ إلى جانب رعيتنا وأولادها في كلّ الظروف، الحلوة منها والمرّة، إن في تعبها، «في سمكها»، وإن في «عسلها».
وكان للمونسنيور الجديد اليد الطولى والأثر الطيّب في إنجازها وإيصالها إلى خواتيمها المرجوّة. لم يدع المونسنيور اسطفان أيّ مجال إلاّ وخاضه لخدمة أولاد الرعية. يوم تسلّمت مقاليد النيابة، توجّهت بالسؤال للمسؤولين عن حجم المشاريع قيد الإنجاز في إهدن – زغرتا، حتى استعدّ لتحمّل مسؤوليّتها، فاجأني الجواب، اذ صدر عن جميع الموجودين، بصوت واحد، مع ابتسامة لها معانيها، قالوا: «بدك تعرف عدد المشاريع قبل ما تسأل سؤالك ولا بعدو؟ لأن أكيد بهالدقيقة من الوقت بونا اسطفان بيكون بلشّ مشروع جديد».
لقد قام المونسنيور إسطفان، في السنوات الأخيرة بمجموعة مشاريع، كان لها الأثر الكبير على الرعيّة والمنطقة، على حدّ سواء. أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- ترميم كنيسة مار جرجس الأثريّة في إهدن، بعد أن تفسّخت جدرانها بشكل خطير
- ترميم جثمان بطل لبنان يوسف بك كرم، بعد أن كان مهدّدًا بالتلف
- تطوير مستشفى سيّدة زغرتا وتوسيعه بأقسام أربعة جديدة. حتّى أضحى واحداً من أهمّ المستشفيات الجامعيّة في المنطقة
- الشروع ببناء كنيسة جديدة وضخمة، على اسم مار شربل، في إهدن، تلبيةً للحاجات الرعويّة الملّحة
إضافة إلى إدارته ومساهمته في عدد من المشاريع، ذات الطابع الرياضيّ والفنيّ والثقافيّ، التي تشغل أولادنا عن الآفات الاجتماعيّة وتضفي عليهم جوًّا راقيًا وصحيًّا. ومنها: مركز ميلاد الغزال الرياضي والثقافيّ، نادي السلام للرياضة، الذي بات يضم خمسمائة من أولادنا، والكونسيرفاتوار الوطنيّ حيث يدرس ثلاثمائة ولد الموسيقى على أنواعها.
هذا غيض من فيض. ولقد تكرّم علينا السيّد البطريرك بقبول تدشين مركزين جديدين من المراكز التي ذكرتها، ألا وهي الأقسام الجديدة في المستشفى كما وتكريس مذبح كنيسة مار جرجس في إهدن، وذلك في ٢٩ حزيران المقبل. لذلك، وفي هذه المناسبة، رأى غبطته أنّ هذا المجهود الكبير حريّ بالتكريم، عسى أن يكون حافزًا لنا جميعًا لمزيد من العطاء. فحقل الربّ أوسع من أن نتمكّن من أن نفيه حقّه في العمل.
جوابًا على سؤال يسوع: «هل عندكم شيء يؤكل؟» يمكننا أن نجيب: «نعم يا ربّ، لقد قدّمنا لك ونقدّم، لا ممتلكاتنا فقط، بل قلوبنا وحياتنا كلّها». وأنت يا ربّ بادلت عطاءات رسلك الصغيرة بأن منحتهم الفرح والبركة والحياة الأبديّة. وها أنت اليوم تمنحنا نحن أيضًا المكافأة على محبّتنا وأمانتنا لك وللكنيسة بشخص المونسنيور اسطفان. فلك منّا كلّ الشكر والوعد والعهد بأن نبقى طوال الأيّام على إيمان آبائنا وأجدادنا وطاعتهم لسلطة كنيستهم ولبطاركتها العظام.

Read 88 times