wrapper

"يَكفِي أنْ تَكونَ إنْسانًا لِكَيْ تَلتَقِي بِالله"

الخوري جان مورا

في الأحَدِ الأخيرِ مِنْ زَمَنِ الصَّليبِ المُقَدَّسِ وَقبْلَ بَدْءِ سَنَةٍ لِيتُورجِيَّةٍ جَدِيدَة، تَضَعُ أمُنُّا الكَنيسَة أمامَنا هذَينِ النَّصيْن لِلوُلُوجِ في قَلْبِ مَفْهومِ الإيمانِ "المُعَاش"، أوِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنْ دِينامِيَّةِ الإيمانِ المَسِيحِيِّ الداخِليَّة؛ "المَسِيحيُّ المُؤْمِنُ هُوَ، قَبلَ كلِّ شَيْءٍ، شاهِد".   

يَدْعُو القِدِّيسُ بُولُس إلى التَضامُنِ الإجْتِماعِيِّ وإلى إلْتِزامِ المُؤْمِنينَ بِهُوِيَّتِهِم كَأَعْضاءٍ في جَسَدِ المَسِيحِ السِرِّي؛ رِسالَتُهُ اليَومَ هِيَ دُسْتُورُ الحَياةِ الإجْتِماعِيَّةِ المَسِيحيَّةِ الفُضْلَى التي يَحتاجُها وَطَنُنا في هذه الأيامِ. فَبِالمُشارَكَةِ وَالتَضامُنِ تُحَقِّقُ الكَنِيسَةُ هُوِيَّتَها كَجَسَدِ المَسيح السِرِّي. وَالرِّسالَةُ تَتَوجَّهُ إلَيْنا اليَوْمَ في ظِلِّ التَغَيُّراتِ الاجْتِماعِيَّةِ وَتَفاقُمِ مُتَطلِّباتِ الحَياة، وَالأوْضاعِ السِياسِيَّةِ وَالمالِيَّةِ المُذْريَةِ وَمَا عَكَسَتْهُ إجْتِماعِيًا، فَتَبدَّلَتِ المَفاهِيمُ رُغْمَ أنَّ القِيَمَ الإنسانيَّةَ_ الإجتماعيَّة والرّوحيَّة ثابِتَةٌ في جَوهَرِها لا تَتبدَّل... وَتَدعُونا بِإلْحاحٍ إلى التَضامُنِ وَالرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالشَّهادَة.

 

بَعْدَ قُبولِهِ الحَياةَ الجَدِيدَةَ في العِماد، يُضْحِي المُؤْمِنُ شاهِدًا لإيمانِه، بِحَيْثُ تُعْطِي الشَهادَةُ الإيمانَ قِيمَتَهُ مِنْ خِلالِ الإلْتِزامِ الشَخْصِيّ. هذا ما يَجْعَلُ مِنَ الشَّهادَةِ المَسِيحِيَّةِ أمْرًا ضَرُوريًّا وَمُلزمًا، يَطالُ الفَرْدَ كَمَا الجَماعَةَ على مَا يَقولُهُ المَجْمَعُ الفاتِيكانِيُّ الثاني: "علَى الشَّعْبِ المَسِيحِيِّ بِأسْرِهِ أنْ يَشْهَدَ لِلرَّبِّ وَلِقوَّةِ إنْجيلِهِ مِنْ خِلالِ حَياتِهِ اليَوْمِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ وَالعائِليَّةِ وَالإجْتِماعيَّةِ وَالمَهَنيَّة". وَيَقولُ البابا فرَنْسِيس: "نَحْنُ نَنْقُلُ الإيمانَ بِالشَّهادَةِ، وَالشَّهادَةُ هِيَ الحُبّ. نَحْنُ نَنْقُلُ الإيمانَ بِالإنْجِيلِ المُعَاشِ بِقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَالكَنيسَةُ تَتقدَّمُ بِفَضْلِ القِدِّيسينَ الشُّهُود... لَيْسَ المَطْلُوبُ الإكْثارَ مِنَ الكَلامِ بَلِ الكَلامُ بِواسِطَةِ الحَياةِ المُتَناغِمَةِ مَعَ الإنْجِيل".

بِالتالِي، فَشَهادَةُ الإيمانِ وَالحُبِّ وَنَقْلُهَا بِالإنْجِيلِ المُعَاشِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، وَالَّتِي عَبَّرَ عَنْها مارْ بُولُسُ بِدُسْتُورِ الحَياةِ المَسِيحِيَّة:"وَلتَكُنْ مَحَبَّتُكُم بلا رِيَاء، تَجَنَّبُوا الشَّرّ، ولازِمُوا الـخَيْر..."، يُؤَكِّدُ الرَبُّ يَسوعُ بإنْجيلِ "الدَّيْنونَةِ العَظيمَة"، اليَوْمَ، أنَّنا نَلْتَقِي بِهِ في سِرِّ القربانِ وَباقِي الأسْرارِ وَفِي المُهَمَّشِينَ وَالفُقَراء، في المسجونين والمرضى أيْضًا... هذا هُوَ قانُونُ السَّماء: "يَكفِي أنْ تَكونَ إنْسانًا لِكَيْ تَلتَقِي بِالله".  عَلَيْنَا أنْ نَخْرُجَ مِنْ ذَواتِنَا لِنَلْتَقِي الآخَر، عَليْنَا أنْ نَخْرُجَ مِنْ كِبْريائِنا وَإنْعِزالِنا وَمَصالِحِنا الشَّخصِيَّة. هُنَا تَأْتِي الشّهادَةُ لِتَكْسِرَ هذِهِ الصُّورَةَ المُعَلَّبَةَ لِلعَالَم، وَتطْرَحُ مَفْهُومًا جَديدًا لِلحَيَاة، تَحْكُمُهُ مَجَّانِيَّةُ العَطاءِ، وَنَزاهَةُ الضَّمير، وَرَحْمَةُ القَلبِ، وَفَرَحُ اللِّقاءِ بِالآخَر؛ هذا ما يَحْتُاجُهُ مُجْتَمَعُنا وَوَطَنُنا اليَوْمَ في عُمْقِ هذِهِ الأزَمَةِ الاجْتِماعِيَّةِ الصَّعْبَة، لا سِيَّما مِنْ ناحِيَّةِ المَسْؤَولِينَ وَالقِيادِيِّينَ في البِلاد، لأنَّهُ كَفى جُوْعًا! كفَى ظلْمًا وقهرًا! كفَى فَسادًا! في حّقِّ الشَّعبِ اللُّبنانيّ: " كُونُوا مُتَّفِقِينَ بَعْضُكُم مَعَ بَعْض، مُتَوَاضِعِينَ لا مُتَكَبِّرِين. لا تَكُونُوا حُكَمَاءَ في عُيُونِ أَنْفُسِكُم".

أعْطِنا يَا رَبّ أنْ نُحِبَّ بَعْضُنا بَعْضًا كَمَا أحْبَبْتَنا "بلا رِياء"، فَنَبْذُلَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سَبيلِ إخْوَتِنا فَنَراكَ فِيهِم وَيَعْرِفُنَا العالَمُ أنَّنَا خاصَّتُكَ، بِقُوَّةِ رُوحِكَ القُدُّوس، آمين.  

Read 92 times