wrapper

يا سمعان بن يونا، أتحبني؟

المطران جوزيف نفّاع
بهذا السؤال تبدأ الكنيسة المارونيّة سنتها الطقسيّة. فمن خلال الأزمنة والأعياد، يعيش المؤمن علاقته المميّزة من الربّ يسوع، مخلّص العالم، و"مقدّس" المؤمنين باسمه. وترى أمّنا الكنيسة أنّ سؤال يسوع هذا لبطرس الصخرة، يجد فيه كلّ مسيحيّ، "خارطة طريق نحو الملكوت".
"أتحبّني؟" هي الوصيّة الأولى والأهمّ في الإنجيل؛ لذلك، يجب علينا أن ندركها في كلّ أبعادها. يتوقّف القارئ إجمالاً عند البعد "العاطفيّ" أو "القلبيّ" لكلمة "حبّ" أو "محبّة". أي أن نرى في كلّ إنسان "أخًا لنا"، إن في الإيمان، أو أقلّه في الإنسانيّة. وبذلك نحن مدعوّون إلى محبّة حتّى أعدائنا. فهم إخوتنا في الإنسانيّة، وهم أبناء الله، الذي يحبّهم، رغم خطيئتهم، وقد سفك دمه على الصليب من أجلهم ليخلّصهم هم أيضًا. كما أنّهم أناس مجروحون في محبّتهم. فالخطيئة تنتج إمّا عن جرح أو تسبّب جرحًا عميقًا في قلب الخاطئ؛ وفي أغلب الأحيان، الإثنين معًا.
لكنّ نصّ إنجيل هذا الأحد يُضيف لنا مفهومًا آخر، لا يقلّ أهميّةً عن الأوّل. فيسوع، بسؤاله ثلاث مرّات "أتحبّني" يستعمل فعلين يونانيّين مختلفين. في سؤاله الأوّل يقول لبطرس "أتحبّني؟" مستعملاً فعل "فيليو" اليونانيّ الذي يشير إلى المحبّة بالمعنى "القلبيّ" الذي شرحناه. أمّا في المرّة الثانية فيستعمل فعل "أغاباو" الذي ترجمته "أحبّ" إلاّ أنّه يتكلّم عن "محبّة عمليّة" لا تقتصر فقط على الأحاسيس الطيّبة. نستعمل هذا الفعل في حياتنا الرعويّة اليوم، إذ نقوم أحيانًا باجتماع، كثيرًا ما يتبع لقاءات الصلاة أو التنشئة، وهو "مائدة المحبّة"، إذ يحضّر كلّ شخص طبقًا لذيذًا يشاركه مع الباقين. غالبًا ما نُطلق على هذا اللقاء اسم "أغابيه"، المشتقّ من فعل "أغاباو" اليونانيّ.
إنّ فعل "أغاباو" يطلب منّا أن نترجم محبّتنا بأفعل محبّة نخدم بها القريب. على غرار ما علّمنا إيّاه الربّ يسوع في موضع آخر قائلاً: "ليس من قال لي يا ربّ يا ربّ يدخل ملكوت السموات، بل من عمل أعمال أبي الذي في السماوات" (متى 7: 21). لا يمكن للمسيحيّ أن يتقدّس بمجرّد أنّه يحبّ الربّ والقديسين والناس في قلبه. فإن لم تقوده هذه المحبّة إلى أعمال الرحمة وإلى أعمال الرسالة فلا يمكننا بالتالي أن نسمّيها "محبّةً مسيحيّةً".
هذه هي وصيّة يسوع لنا في بداية السنة الطقسيّة، أن تكون محبّتنا مسيحيّةً أي عمليّةً؛ فبهذا نتقدّس. في بداية هذه السنة، هي فرصة مؤاتية لكلّ مؤمن أن يفحص ضميره إن كان يتمّم وصيّة الربّ بخدمة المحبّة. والرعيّة تؤمّن لنا مجالات رائعةً ومنظّمةً وهدّافةً
لنحقّق هذا البعد في حياتنا. إنّها إذًا دعوة صريحة من الربّ أن نلتزم جميعنا دون استثناء بمختلف الحركات الرسوليّة ومراكز التنشئة والجمعيّات الخيريّة والنشاطات. فهذا كلّه تقدّمه الرعيّة "لتقديسنا"، والتزامنا به ليس منّةً منّا تجاه منظّميه، بل هو فرصتنا نحن حتّى نتقدّس، ونحقّق بذلك هدفنا الأسمى والأهمّ. جميع الأبواب مشرّعة أمامنا، فلنسمع اليوم أيضًا صوت الربّ يسألنا: "أتحبّني؟" فعلاً وحقًّا، أم بالمظهر فقط؟

Read 131 times